التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة الحادية والعشرون

  جلست إلى مكتبها الأنيق المنسق تخطط مقالها، وتضع له رؤوس مواضيع وعناوين رئيسية، كان موعد تقديم تحقيقها مكتملًا هو اليوم، لكنها كانت تخطط لشيء مهم.. أرادت أن تضيف إلى عناصرها عنصر الملاحظة والمشاهدة العينية، وتنقل للقارئ وصفًا حقيقيًا لمشاعر أم تقبع في سرير المرض، منتظرة موتًا سريعًا عاجلًا يقصف عمرها؛ لتترك زوجًا وأطفالًا محطمين خلفها.. أو موتًا مؤجلًا، تدفع من خلاله بالتقسيط من عمرها آلامًا وتحتمل لومًا وتأنيبًا، وتحميلًا للمسئولية، وفقدانًا لطعم الحياة وحسرة على طفلة كانت- منذ أيام قليلة- تستقبل الحياة، فإذا بها، ونتيجة فعل صغير من حيوان لا يميز بين الخبيث والطيب، ولا بين المرأة والطفلة، التي هي مشروع مبكر لامرأة لم   يئن أوان إطلاق هذا المسمى عليها بعد، زهرة قُطف عمرها مبكرًا دون وجه حق.. أم ترقد بانتظار أحد أمرين كل منهما أسوأ وأعظم خسارة من الآخر! إنها تريد أن ترى تلك الأم، وتريد أن ترى الطفلة أيضًا.. تريد أن تسمع من الضحيتين في تلك الجريمة، ففي كل أنواع الجرائم يقع الجرم على ضحية مباشرة، أو ضحايا، وحدها.. أما في الاغتصاب وحده فإن المجني عليهم يتجاوزون مجرد فرد واحد أو...

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة العشرون

  نهضت فزعة تتلفت حولها، لم يكن هناك ظلام وحشي بدائي يحيط بها، ولا صمت يهيمن على الكون، ويطبق على أنفاسه.. ولم تكن ممددة على الأرض تعتليها وحوش تمزقها وتنهشها، لم يكن شيء من هذا كله حقيقيًا أو واقعيًا.. بل كانت في غرفتها، جالسة براحة على سريرها، جالسة نصف جلسة، مرتاحة، ولا شيء يقلقها أو يهددها، النور يغمر حجرتها، وكامل ثيابها تستر جسدها وتزينه، وصوت موسيقي رقيق يداعب أجفانها التي كانت مقفلة، ويدعوها لليقظة والتحرر من سلطان الغفوة.. شاركه حفيف أوراق قليلة ممسوكة بين يديها، وقريبة من صدرها، النداء.. إنها في فراشها جالسة، وصور المحضر الخاص بقضية اغتصاب طفلة الابتدائي  بين يديها، لقد ذهبت في غفوة، وهي تقرأ السطور وتطلع على الحقائق، وتتخيل الأحداث المرعبة.. ترى كيف عاشت الطفلة تلك اللحظات القاسية المخيفة وكيف تحملتها؟! مفروض عليها أن تتحمل قدرًا بتلك القسوة والانتهاك والظلم، ومفروض على الأخرى- "بتول"- أن تشارك في تلك اللحظات وتعيشها وتتألم مع صاحبتها.. لقد أبعد بها خيالها، وأوصلها إلى منطقة نائية شديدة الإظلام والكثافة، والدسامة والوجع والغرابة والغربة، كانت تشارك الطفلة لحظاتها ب...

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة التاسعة عشرة

  لم تبقَ دقيقة واحدة في الخارج بعد رحيل "حسين".  دخلت غرفتها، وأغلقت بابها على نفسها، رغبة عارمة في أن تكون وحدها وألا ترى أحدًا، أو تسمع تنظيرات وتبريرات فارغة من أي أحد.. كان الأبوان في حالة شبيهة بحالتها، لكنهما وجدا أنفسهما مسئولين عن حل تلك المشكلة العويصة الدقيقة، مشكلة زواج ابنتهما الذي يبدو أنه لن يتم على خير.. أو  لن يتم أبدًا! كانت الأم بالذات تدرك حالة ابنتها في تلك اللحظة، فلم تلح عليها كثيرًا في دعوتها للعشاء، العشاء الذي أُعِد من أجل أن يأكلوه مع عريس ابنتهم، الذي جاء وألقى عليهم عرضًا في صورة إنذار وتحذير.. إن عرضه مرفوض جملة وتفصيلًا! كيف يأتمن الأبوان "حسين" على "بتول" في عصمته، وهي في وسط معادٍ وكاره لها، إنهما متأكدان أن الأم هي العقبة الكبرى في سبيل إتمام كل شيء، يدركان هذا، ويشاركنها في جزء من رأيها، لكن ما يمنعهما من شد السلخ على العروس، وإجبارها على إهانة نفسها، وجرح كرامتها من أجل أن تثبت لهما أنها لا تزال بريئة طاهرة، هو كونها ابنتهما فحسب.. لو كان الوضع مقلوبًا لتغيرت نظرتهما وتغير رأيهما تغيرًا تامًا، كانا سيجدان الأم على حق تما...

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة الثامنة عشرة

  عادت إلى البيت لتجد فرحة واستبشارًا مهيمنين على العائلة!  وجدت الأم وهي تجلس أمام مائدة السفرة، التي حفلت بعدة أنواع من الخضروات والكثير من أكياس اللحوم والأسماك المجمدة، وأوانٍ متعددة الأشكال والأحجام، وحلل صغيرة مقطع فيها بسلة خضراء وجزر، وعبوات من صلصة الطماطم المحفوظة، وشرائح من السمك الفيليه بأكياسها.. وبمجرد أن وقع بصرها على ابنتها العائدة من عملها، حتى انطلقت مرحبة بها بحنان زائد وغير اعتيادي، وقالت لها وعلامات الفرح تتراقص على وجهها: - حمدًا لله على السلامة، يلا غيري هدومك وتعالي ساعديني.. عندنا شغل كتير، خطيبك جاي يتعشى الليلة هو وعيلته عندنا.. وشكلهم جايين يتفقوا على معاد الفرح يا عروسة! أحست "بتول" بالصداع والدوار، بمجرد سماعها لهذا الكلام، وقالت لأمها محدثة نفسها في الواقع بحيرة: - مقاليش يعني، كنت لسه بكلمه من شوية وأنا راجعة من الشغل في الطريق.. قاطعتها أمها، التي لا تحب المقاطعة في هذه الأمور، حتى تتم على خير: - يبقى عاملهالك مفاجأة يا حبيبتي، متاخديش في بالك.. يلا عشان تساعديني ونلحق نخلص اللي ورانا! أذعنت البنت، وإن كانت لا تزال الحيرة تملؤها،...