التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة )

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة الثالثة والعشرون ( الأخيرة )

  هبطت على السلم وهي لا تكاد ترى الطريق ولا درجات السلم المصفوفة تنازليًا أمامها.. كانت عيناها شاخصتان تحدقان في مجهول، مجهول تراه ولا يراه غيرها.. إنها ترى عمرها الذي انقضى، وهو قليل بميزان الزمن والبشر، وعمرها الآتي الذي يهل مقبلًا من بعيد، وهي لا تعرف عدده ولا حصره.. لكنها تعرف شيئًا واحدًا، أنه ليس لديها استعداد أن تعيشه وهي تبرر نفسها، وتختلق الأعذار، وتقبل الدنية في نفسها، وتعيش نهبًا لسوء الظن، ولرجل يفرض تنازلاته الخيالية عليها، ويظن أنه يحسن إليها إذ يقبلها بعد ما (حدث) لها، حبيب يرفض أن يقف بجانبها في أدق لحظاتها وأكثرها صعوبة، ويريد أن يمد يديه، هو وأمه وأهله وأهلها تحت ثيابها؛ لينقبوا عن الشيء الأهم والأكثر قيمة عندهم.. حصروا وجودها في شيء صغير تمتلكه ملايين غيرها، وتفتقده ملايين أخريات، وجعلوه مدار وجودها وسببًا من أسباب بقائها.. إنها تدرك الآن وتفهم، بعدما جرى أمامها بأعلى، بعدما رأت أمًّا محمولة ميتة، وقد فارقت الحياة منبوذة وقد فقدت حياتها وأولادها وزوجها وتحطمت أسرتها، وفقدت الرغبة في البقاء والعيش والاستمرار، تفهم وتدرك كيف يفكر خطيبها، وما يدور بخلده تحديدًا.. إن...

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة الثانية والعشرون

  كان "حسين" يدور حول نفسه بالقرب من بيت "بتول".. حول نفسه وحول البيت مضى دائرًا محتارًا، ككوكب انفلت من مدار جاذبيته  وفارقه نجمه، يهيم باحثًا عن مداره المفقود، الذي غادره قسرًا، وقذفته الجاذبية المسحوبة خارجه.. الجاذبية التي كانت تقيده، لكنها تحميه من السقوط والزلل والضياع، الحب الذي يمد خيوطًا يربطنا ويقيدنا بها، خيوطًا من حرير لا تحز سواعدنا ولا تترك آثارًا على جلودنا، لكنها تسحبنا وتلفنا برقة، وتغللنا بغلالة من حرير.. شرنقة حريرية رقيقة.. بيت عنكبوت يُرى من خلاله كل شيء وهو أقوى من القوة نفسها.. هل سمعت صوت الحرير وهو يتمزق من قبل، وهل رأيت بيتًا للعنكبوت يُهدم ويزال؟! منتهى الرقة والضعف، لا مقاومة، شيء ينحل ويموت بسهولة.. لكنه لا يعود أبدًا كما كان! يستحيل إحياؤه واسترجاعه.. والحب إن تمزقت خيوطه يستحيل تضميدها بأي خيط جراحي، إنه شرنقة من الحرير، بيت من العنكبوت.. ما إن تدوسه يد غليظة غبية حتى ينتهي أمره ويتحطم، قد يحل محله شعور يشبه الحب، نسيب له، قريب له من بعيد، مشابه له، يُخيل إليك أنه هو.. لكنه ليس هو ولن يكون أبدًا! وهو قد مزق بغباء جملة خيوط من التي تربط...

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة الحادية والعشرون

  جلست إلى مكتبها الأنيق المنسق تخطط مقالها، وتضع له رؤوس مواضيع وعناوين رئيسية، كان موعد تقديم تحقيقها مكتملًا هو اليوم، لكنها كانت تخطط لشيء مهم.. أرادت أن تضيف إلى عناصرها عنصر الملاحظة والمشاهدة العينية، وتنقل للقارئ وصفًا حقيقيًا لمشاعر أم تقبع في سرير المرض، منتظرة موتًا سريعًا عاجلًا يقصف عمرها؛ لتترك زوجًا وأطفالًا محطمين خلفها.. أو موتًا مؤجلًا، تدفع من خلاله بالتقسيط من عمرها آلامًا وتحتمل لومًا وتأنيبًا، وتحميلًا للمسئولية، وفقدانًا لطعم الحياة وحسرة على طفلة كانت- منذ أيام قليلة- تستقبل الحياة، فإذا بها، ونتيجة فعل صغير من حيوان لا يميز بين الخبيث والطيب، ولا بين المرأة والطفلة، التي هي مشروع مبكر لامرأة لم   يئن أوان إطلاق هذا المسمى عليها بعد، زهرة قُطف عمرها مبكرًا دون وجه حق.. أم ترقد بانتظار أحد أمرين كل منهما أسوأ وأعظم خسارة من الآخر! إنها تريد أن ترى تلك الأم، وتريد أن ترى الطفلة أيضًا.. تريد أن تسمع من الضحيتين في تلك الجريمة، ففي كل أنواع الجرائم يقع الجرم على ضحية مباشرة، أو ضحايا، وحدها.. أما في الاغتصاب وحده فإن المجني عليهم يتجاوزون مجرد فرد واحد أو...

بتول : ماذا فعلوا بالشمس ( رواية مسلسلة ) الحلقة العشرون

  نهضت فزعة تتلفت حولها، لم يكن هناك ظلام وحشي بدائي يحيط بها، ولا صمت يهيمن على الكون، ويطبق على أنفاسه.. ولم تكن ممددة على الأرض تعتليها وحوش تمزقها وتنهشها، لم يكن شيء من هذا كله حقيقيًا أو واقعيًا.. بل كانت في غرفتها، جالسة براحة على سريرها، جالسة نصف جلسة، مرتاحة، ولا شيء يقلقها أو يهددها، النور يغمر حجرتها، وكامل ثيابها تستر جسدها وتزينه، وصوت موسيقي رقيق يداعب أجفانها التي كانت مقفلة، ويدعوها لليقظة والتحرر من سلطان الغفوة.. شاركه حفيف أوراق قليلة ممسوكة بين يديها، وقريبة من صدرها، النداء.. إنها في فراشها جالسة، وصور المحضر الخاص بقضية اغتصاب طفلة الابتدائي  بين يديها، لقد ذهبت في غفوة، وهي تقرأ السطور وتطلع على الحقائق، وتتخيل الأحداث المرعبة.. ترى كيف عاشت الطفلة تلك اللحظات القاسية المخيفة وكيف تحملتها؟! مفروض عليها أن تتحمل قدرًا بتلك القسوة والانتهاك والظلم، ومفروض على الأخرى- "بتول"- أن تشارك في تلك اللحظات وتعيشها وتتألم مع صاحبتها.. لقد أبعد بها خيالها، وأوصلها إلى منطقة نائية شديدة الإظلام والكثافة، والدسامة والوجع والغرابة والغربة، كانت تشارك الطفلة لحظاتها ب...