هل ذهبتم إليها من
قبل ؟!!
الأرض العجيبة الغريبة .. الأرض التي لا تسمع فيها صوتاً واحداً يتكلم .. الأرض التي تحب الصمت...
حسناً .. أنا ذهبت
إليها وعرفت عنها كل شيء .. وسأحكى لكم كل شيء رأيته هناك ...
* لم يكن في هذه البلاد أي شيء غير عادى .. كل شيء هناك كان طبيعي وعادى .. الشوارع
كاملة النظافة .. المنازل كلها بيضاء وصغيرة ولها نفس الشكل ..المدارس كأنها الجنة
، والأولاد والبنات كلهم حلوين ومؤدبين وشطار ، الأسواق والمحلات مفتوحة 24
ساعة وكل شيء فيها بدون نقود ..ببلاش يعني
..الناس كلهم طيبين ؛محترمين ؛ صادقين ؛ أمناء ؛ متواضعين وموهوبين ..لا يخدعون
ولا يغشون ولا يسرقون ولا يكذبون و لا ينمون
ولا يحقدون ولا يستكبرون..0
لا وجود هناك للصوص أو السجون أو القتلة أو
المجرمين أو القيود أو السلاسل الحديدية .. حتى مراكز الشرطة لا وجود لها هناك....0
أليس ذلك شيء عادي و طبيعي للغاية ؟!!
شيء واحد .. شيء واحد لم يكن عادياً في هذه البلاد .. شيء بسيط ولكنه
عجيب .. فسكان هذه البلاد لم يكونوا يتكلمون
..إطلاقاً .. لم يكونوا صُماً ولا
بكماً .. ولكنهم – مع ذلك – لم يكونوا يتكلمون أبداً .. لأنه لم يعد أي
داعٍ للكلام !!
..........................
أخذ " يوسف " الصغير يتلفت حوله في
تعجب و استغراب وهو يسير في الشارع .. لم يكن " يوسف " الصغير من أهل
هذه البلاد العادية ، بل كان ينتمي لبلاد عجيبة حقاً .. بلاد كل شيء فيها غير عادى
وغير طبيعي .. فالشوارع في بلاد " يوسف " قذرة ومليئة بالقمامة ..
والمنازل فيها لا يشبه كل منها الآخر
وكلها قبيحة .. المدارس تشبه علب السردين ، والأولاد والبنات أغلبهم
ليسوا حلوين ولا مؤدبين ولا شاطرين ..الأسواق والمحلات مفتوحة 24 ساعة ولكن كل شيء فيها له ثمن..و ثمن غالى لا يقدر عليه الفقراء المساكين ..
والناس كلهم ليسوا محترمين و لا صادقين ولا أمناء ولا متواضعين
ولا موهوبين ..يخدعون ويغشون ويسرقون ويكذبون و ينمون ويحقدون ويستكبرون....
كانت بلاد "يوسف" ممتلئة باللصوص
والسجون والقتلة والمجرمين والقيود والسلاسل الحديدية .. وفى كل شارع هناك مركز
للشرطة ..هذه كانت البلاد التي جاء منها " يوسف " الصغير !
و لكن
لماذا جاء "يوسف" الصغير من بلاده العجيبة إلى هذه البلاد العادية؟!
ذلك
كان سر .. سر دفين .. حرص " يوسف
" على أن يخفيه عن كل الناس في بلاده
العجيبة .. كل الناس الذين سألوه وكرروا
سؤاله مرات كثيرة ..و لكن " يوسف " الصغير لم يخفى سره عن أهل هذه
البلاد العادية بعد أن جاء إليها ..
لسبب بسيط .. أن أحداً هناك لم يسأله عن سره ولا من أين جاء ولا ماذا يريد و لا
حتى عن أسمه ..0
وهذا هو السبب الذي جعل " يوسف "
الصغير يتلفت حوله في تعجب وهو يسير في الشارع..
كان " يوسف " يمشى في شارع طويل كل ما فيه نظيف وجميل .. وعندما
وصل
" يوسف " إلى منتصف الشارع شعر بالعطش الشديد .. و تلفت حوله فرأى محل
عصير ومشروبات كبير..
و دخل
" يوسف " المحل فوجد في داخله
ماكينات مشروبات كثيرة وعلى كل منها بطاقة مكتوب عليها نوع المشروب الذي تحتويه ..
و عدد كبير من الأكواب الزجاجية اللامعة
النظيفة .. ولكن لم يكن هناك أي أحد في المحل على الإطلاق.. لا زبائن ولا
حتى بائع..
و تحير
" يوسف " وأخذ يبحث في المحل عن أي أحد يكلمه فلم يجد أحداً .. وأخيراً
يئس من العثور على أي أحد يتحدث معه.. فأخذ كوباً
وملأه من أحدي الماكينات بعصير
الفراولة و شربه كله مرة واحدة .. ثم وضع الكوب على رف زجاجي و هم بالخروج..
ولكن "يوسف " فوجئ بصفارة عالية ترن في
أنحاء المحل وبعدها أُغلقت الأبواب تماماً وأخذت الأنوار كلها تشتعل وتنطفئ مرات
كثيرة....فخاف الولد المسكين وأخذ يتلفت
حوله في حيرة و خوف و جرب الضغط على كل
الأزرار الموجودة أمامه ليتمكن من فتح باب المحل و الخروج .. ولكن الأبواب ظلت مغلقة و الصفارة ما زالت
ترن بصوتها المزعج .. وأخيراً أدرك
" يوسف " سبب كل هذا اللخبطة ..
و ابتسم
"يوسف " ثم أخذ الكوب الذي شرب
فيه العصير وغسله في حوض الماء الموجود أمامه و جففه جيداً ..وفى نفس اللحظة صمت
صوت الصفارة وانفتحت كل الأبواب.. فأبتسم " يوسف " و وضع الكوب في مكانه
.. ثم خرج من المحل !!
...............................
مر على " يوسف " في هذه البلاد العادية
سنة ونصف .. التحق خلالها بمدرسة داخلية رائعة وتعلم الحساب العلوم والتاريخ و
الرسم والموسيقى .. وكان المنهج يحتوى بالإضافة إلى ذلك علم الخُلق واختيار الكتب
وتنمية المواهب وتنسيق الزهور ورعاية الحيوانات الأليفة!!
و لم يكن بالمدرسة مدرسين .. بل كان كل فصل كان
مجهز بعدد كبير من الحواسب الألية وهناك جدول إليكتروني
مضيء على الباب .. وعندما يدخل التلاميذ
؛الذين لا يزيد عددهم في الفصل عن خمسة ؛ تعمل الحواسب الإلية
بمفردها ..ويبدأ كل حاسب في عرض
وشرح الدروس المسجلة عليه – حسب الجدول – و يعيد الحاسب الدرس مرات كثيرة حتى يفهم
جميع التلاميذ الدرس جيداً ..عندئذ يتوقف الحاسب الألى تلقائياً !!
أما الطعام الذي كان يُقدم ل" يوسف "
وزملاءه في المدرسة فقد كان رائعاً كثير الأنواع
.. وكانوا ينامون في غرف واسعة
نظيفة جميلة مليئة بالزهور والورود
ونباتات الظل ....
* و مضت
عدة سنوات وأصبح " يوسف " الصغير تلميذاً في الصف الخامس ..و عرف الكثير
عن العالم الذي يعيش فيه، وأكتسب الكثير من عادات وطباع أهل تلك البلاد العادية ....
ولكن شيء ..شئ
واحد أتعب " يوسف " منذ أن جاء
إلى تلك البلاد.. و مازال يتعبه و هو
الكلام .. فقد ظل " يوسف " يحلم
بالعثور على شخص واحد يتكلم معه..إنسان مثله يبادله الحوار و يتبادل معه الحديث ..
فقد كان كل زملاء " يوسف " في المدرسة – مثل سائر أهل تلك البلاد – لا
يتكلمون إطلاقاً .. و كانت هذه هي مشكلة يوسف " الوحيدة في حياته....
و ظل " يوسف " الصغير سنوات طويلة يبحث
عن حل لتلك المشكلة العويصة .. ولما مضت به السنون دون أن يجد حلاً لها يئس "
يوسف " تماماً وقرر أن يتقبل الوضع
كما هو عليه.. ولكن فجأة هبط الحل عليه
بمعجزة إلهية .. ووجد " يوسف " أخيراً من يتكلم معه ..إلا أنه كثيراً ما تمني ؛ بعد ذلك ؛ لو أنه
لم يكن قد وجده !!
.......................
* هناك بعض الناس يشبهون المصائب .. يهبطون على
رؤوس إخوانهم من البشر كالكابوس المخيف .. و يلصقون كدودة العلق ويحولون حياتهم إلى جحيم مخيف .. هؤلاء الناس لا حل لهم و لا خلاص منهم إلا بكل نفس ذائقة الموت و لا مهرب منهم إلا إلى أحد طريقين .. إما أن تترك لهم الدنيا بما فيها وتفر بجلدك منهم إلى أبعد مكان في
الكون.. وإما أن تهرب منهم إليهم.. أي
أن تتقى شرهم و تدفع مصائبهم بالتقرب منهم و الارتماء في أحضانهم !!
هكذا كان منذ البداية .. و هكذا يكون الآن.. و
هكذا سيحدث في المستقبل !!
...
لم يكن " كنعان زبير " هذا الذي هبط فجأة على تلك البلاد العادية سوى
نصاب محترف.. يجوب البلاد رامياً بلاه على العباد .. و لم يكن له عمل في الحقيقة..
و لكنه كان يدعى قدرته علي القيام بجميع
الأعمال.. كان " كنعان زبير "
يعتبر نفسه طبيباً و مهندساً و صيدلانياً و أديباً و رساماً و شاعراً و مطرباً و
ملحناً و مدرساً و عالم و كيميائي و خطيب و مؤلف.. و كل ما يخطر على بالكم أو لا
يخطر.. و لم يكن له وطن معروف.. بل كان يحمل جنسيات كل دول العالم.. حتى أسمه لم
يكن مؤكداً .. بل كان عنده عشرات و عشرات الأسماء.. و قد دخل " كنعان
زبير" إلى هذه البلاد مستخدماً أحد جوازات سفره الكثيرة.. و ظل يجوب كل مدنها
بحثاً عن شخص واحد.. شخص واحد يكلمه.. فلم يجد !!
و مضى على " كنعان " في هذه البلاد
العادية ثلاثة عشر يوماً كاد خلالها يفقد عقله و يجن من الغيظ و القهر.. حتى أنه
كان يُحدث نفسه ليلاً و نهاراً من شدة الغيظ.. فكيف بالله عليكم يستطيع نصاب محترف
أن ينصب على مجموعة من التماثيل الخشبية التي لا تنطق ؟!
و ظل " كنعان " مقيماً في البلد
متمتعاً بالخيرات و اللوازم الوفيرة التي يحصل عليها دون ثمن.. و لكن سعادته لم تكن
كاملة.. لأنه تعطل عن العمل.. عمله المفضل و هو النصب على الناس و ابتزازهم و
الضحك عليهم و إيقاعهم في شباكه .. و مع أنه لم يكن هناك سبب يجعله ينصب على الناس
في بلد كل ما فيه بدون نقود.. إلا إن غريزة النصب عند شخص مثل " كنعان "
أقوى من الأسباب و المبررات !!
.........................
كان
صديقنا " يوسف " الصغير سعيداً في حياته بالمدرسة و مستمتعاً بدراسته ..
و قد تناسي موضوع الكلام مرغماً.. و في الأحيان القليلة التي كان يحن فيها إلى
الكلام.. كان ينفس عن نفسه في الحمام !
كيف ؟!!
مجرد أن
يذهب إلى الحمام و يغلق الباب على نفسه و
يصيح و يزعق و يهذى بأي كلام يخطر على باله أو يغنى.. كان ذلك كفيلاً بأن يريح
" يوسف " الصغير و يخرجه من كآبته و يجعله يعود سعيداً منطلقاً.. كما
كان !!
و كان للتلاميذ في مدرسة " يوسف " يوم
حُر في كل أسبوع .. يخرجون فيه إلى الحدائق و الملاهي أو يذهبوا إلى أحد المسارح
المتنقلة ليشاهدوا تسجيلات للمسرحيات القديمة التي كانت تُمثل قبل أن يستغنى كل سكان البلاد عن
الكلام.. أي قبل سنة ...3م!!
* وصل السيد " كنعان زبير " –النصاب –
إلى المدينة التي يعيش فيها " يوسف " الصغير.. في ذات صباح كئيب بارد مثل وجهه ..و توجه إلى أحد
المقاهي و جلس إلى طاولة بمفرده و أخذ ثلاثة عشر نوعاً من المشروبات – الساخنة و
الباردة – من ماكينات المشروبات.. و رصها أمامه على الطاولة.. و أخذ يشربها و هو
ينفخ في ضيق و ملل.. و فجأة لمح " كنعان " شيئاً جذب انتباهه بشدة ..
فقد رأى -من موضعه داخل المقهى- رجل عجوز
أنيق يركن سيارته الإليكترونية
أمام المقهى و يتركها و يذهب لمكان غير معلوم.. و أحس "كنعان " – و هو
يتطلع إلى السيارة الصغيرة اللامعة أمامه
- أنه مستعد أن يفقد حياته في مقابل أن يسرق هذه السيارة من صاحبها.. رغم أنه قد
حصل على أربعة و عشرين سيارة مثلها منذ أن دخل هذه البلاد !!
و في لحظة أتخذ " كنعان " قراره و خرج
من المقهى بسرعة.. و كانت السيارة الصغيرة لا تزال في مكانها .. فأخذ " كنعان
" يتلفت حوله ؛ كما يفعل اللصوص ؛ ليتأكد من خلو الشارع من المارة، فلما تأكد
من ذلك أقترب من السيارة الصغيرة و ضغط الزر الأخضر الصغير في مؤخرتها .. فانفتحت
أبواب السيارة الأربعة و هم
" كنعان " بركون السيارة .. و لكنه وجد صاحبها أمامه فجأة !!
و أرتبك " كنعان " و شعر ؛ لأول مرة في حياته ؛ بالخجل.. و لكن صاحب السيارة لم يشعر بأي شك نحو
" كنعان "* بل أبتسم له برقة و أشار له ليُفهمه أن هذه سيارته هو.. فقد
حسب الرجل المسكين أن صاحبنا " كنعان " أخطأ و أعتقد أنها عربته.. و كان
من المفروض أن يخجل " كنعان " من نفسه و يتظاهر بأنه أخطأ دون قصد..
ولكن الغريب أن دماثة خلق صاحب السيارة و
ابتسامته الرقيقة أثارت غيظ و غضب و جنون " كنعان ".. الذي فقد سيطرته
على نفسه فطرح صاحب السيارة على الأرض .. و أخذ يلكمه في فمه و
أنفه حتى تفجر الدم من فم الرجل و تحطم أنفه و
أسنانه !!
...........................
* تم عرض " كنعان زبير " على المجلس الأعلى للدولة و الذي قرر
دعوة المحكمة – التي لم تنعقد منذ ..5 سنة – لمحاكمة " كنعان " على فعلته
العجيبة التي تصدرت أخبارها عناوين جميع الجرائد الإليكترونية
التي تصدر في الدولة.. و هي تزيد عن ثلاثة ملايين جريدة و مجلة !
و مَثَل " كنعان " أمام المحكمة
المكونة من رئيس الدولة و نائبه و سبعة و سبعون شخصية عامة.. و طلبت المحكمة منه
أن يدون كل أقواله و كل ملابسات الحادثة و دفاعه عن نفسه في كراسة إليكترونية أُعطيت له.. و حمل الحاجب الألى الكراسة و القلم الفسفوري إلى داخل القفص الإليكتروني المحبوس
" كنعان " في
داخله .. و لكن" كنعان " بدلاً من أن
يأخذ الكراسة و القلم من الألى ..تحرك بسرعة و طرح الألى المسكين على الأرض.. ثم غادر القفص في سرعة
البرق و ركض عبر قاعة المحكمة.. و خرج من الباب و فر .. قبل أن يستطيع أي شيء أن
يوقفه !!
.........................
في يوم الاثنين ؛ و هو اليوم الحُر
المخصص للتلاميذ في مدرسة
" يوسف " ؛ غادرت مجموعة من التلاميذ المدرسة و ذهبوا إلى
أحد المسارح المتنقلة في وسط المدينة.. و كانت هذه المجموعة تضم طلاباً في أعمار
متفاوتة و سنوات دراسية متفاوتة .. و سارت
المجموعة في هدوء حتى عبروا بوابات المدرسة الثمانية.. و لكن بمجرد أن صاروا خارج أراضي المدرسة
؛ حتى انطلقوا يركضون بجنون و يضحكون في
صخب بأصوات عالية ..ثم دخلوا المسرح المتنقل وأتخذ كل منهم
مقعداً له .. وبعد ثلاثة أرباع الدقيقة بدأ عرض المسرحية ، وأنهمك " يوسف
" و أصدقائه في مشاهدة أحداث
المسرحية .. وكان " يوسف " -
دوناً عن زملائه و رفاقه – يشعر بلذة خاصة ومتعة لا مزيد عليها وهو يسمع أصوات الممثلين وهم يتكلمون .. ويتابع
حركات شفاههم أثناء نطق الكلمات .. أما رفاقه فقد كانوا يتابعون أحداث المسرحية
بدون تركيز كبير..و قد ظهر على ملامحهم الملل و الزهق .. وقبل أن تنتهي أحداث المسرحية تسحب رفاق
" يوسف " واحداً وراء الآخر وغادروا المسرح.. بينما بقى"
يوسف" في المسرح بمفرده !!!..
وبعد انتهاء العرض أستعد " يوسف "
لمغادرة المسرح.. وحمل حقيبة النزهة ملكه ..
و غادر مقعده و استدار نحو باب الخروج .. عندما لمح شخصاً غريباً مختبئاً
خلف صفوف المقاعد !! ، فأحس " يوسف
" بالدهشة والخوف وهم بأن يصرخ طالباً النجدة ..ولكن الشخص الغريب خرج بسرعة
من مخبئه ونظر له نظرة مخيفة وهو يضع
سبابته على شفتيه محذراً !!،فازداد شعور"يوسف "بالخوف والرعب حتى أنساه
خوفه كل ما تعود عليه في هذه البلاد لسنوات كثيرة.. فتكلم فجأة وسأل الغريب دون
وعى :
" من أنت ..
من تكون أنت ؟!!"
وعندئذ.. عندئذ قفز الرجل الغريب من مكانه وأمسك
" يوسف " من كتفيه بلهفة مجنونة وسأله وهو يهزه بقوة:
" أنت
تتكلم .. أنت تتكلم .. إليس كذلك
؟! "
ولكن " يوسف " الصغير عجز عن النطق
بكلمة واحدة من شدة خوفه و دهشته .. و لما
لم يرد جن جنون الرجل الغريب وأخذ يهزه ويهزه ويهزه بعنف وجنون .. وسالت الدموع من
عيني الرجل الغريب .. دموع اليأس والجنون .. فتكلم " يوسف " الصغير
الذي أحس بالشفقة على الرجل الغريب
المسكين أخيراً وقال ببطء :
" نعم ..
أنا أتكلم ! .. وأنت هل تتكلم أيضاً ؟! "
ثم صمت " يوسف " قليلاً منتظراً إجابة
الرجل الغريب .. فلما لم يجب الرجل بكلمة ..واصل " يوسف " كلامه وهو
يتلفت حوله:
" ولكن من
أنت .. ما هو اسمك .. ولماذا تختبئ هنا ؟! "
فقال له
الرجل :
" لو أردت
أن تعرف من أنا ولماذا أنا مختبئ هنا فتعالى معي .. أتأتى معي ؟! "
وبعد أقل من دقيقة كان " يوسف " الصغير
يخرج من المسرح المتنقل برفقة الرجل الغريب .. الذي لم يكن إلا صاحبنا القديم ..
" كنعان زبير " !!
....................
أثار غياب " يوسف " الصغير عن مدرسته قلق المدير المسئول عن المدرسة.. فأرسل تقريراً عاجلاً لإدارة التعليم
العليا بمجلس الدولة ، وذكر في التقرير أن أحد تلاميذ المدرسة مدرسته قد غادر المدرسة برفقة بعض زملائه في اليوم الحر المخصص للطلاب ، و قد ذهبوا لبعض الأماكن
المحددة والمعروفة .. ولكن التلميذ " يوسف " لم يعد إلى المدرسة مع
زملائه الذين عادوا في الساعة السادسة من نفس اليوم .. وردت الإدارة العليا للتعليم طالبة من
المدير المسئول عن المدرسة تزويدها بكل المعلومات اللازمة وبيانات وصور الطالب
الغائب ....
ولما مر على غياب " يوسف " عن مدرسته
خمسة أيام انقلبت الإدارة العليا للتعليم
رأساً على عقب .. وتم إعلام رئيس الدولة
بالأمر..وتفرغ جميع المسئولين في البلاد للبحث عن التلميذ الغائب ، وأيضاً
لمطاردة المجرم الهارب " كنعان زبير " !! .. و لم يكن أحد يعرف أنهم إذا عثروا على الأول ..
فسيعثرون حتماً علي الثاني !!!
......................
لم يفكر " يوسف " الصغير كثيراً قبل أن
يذهب مع " كنعان " .. بل إنه ؛ في
الحقيقة ؛ لم يفكر إطلاقاً
.. فقد أسعد " يوسف " أن
يعثر بالصدفة على شخص مثله يتكلم ..وأعتبر أن هذا من حسن حظه .. لذلك فقد قبل العرض الذي عرضه عليه " كنعان " فوراً ..وذهب معه دون أن
يدرك أنه هارب من العدالة ..ونصاب !!
وذهب " يوسف " في البداية مع " كنعان " إلى فندق صغير في أطراف
المدينة وظلا فيه لمدة يوم واحد.. ثم ذهبا إلى مدينة صغيرة ؛ بعيداً عن العاصمة و عن السلطة والشهود والمحكمة ؛ وحصلا على منزل جميل – دون مقابل طبعاً - في شارع هادئ صغير و عندئذ .. و بعد أن
أحس" " كنعان " بأنه بعيد عن المطاردة و عن أيدي رجال السلطة وبأنه في أمان ..عاد " كنعان " إلى عادته القديمة !!
......................
كان سكان هذه المدينة الصغيرة - التي أقام فيها
" يوسف " الصغير و " كنعان
" – ناس بسطاء للغاية .. يؤدون أعمالهم في هدوء ويعودون إلى بيوتهم ليرعوا أسرهم وأولادهم .. و كانوا يعيشون في
مستوي علمي وتكنولوجي مرتفع ، و لكنهم
كانوا ما يزالون يحتفظون بشيء من البساطة والبدائية في الحياة .. وكان
القليل منهم مازالوا يستخدمون الكلام – سراً – ويتكلمون في بيوتهم أو في الأماكن
المغلقة بعيداً عن عيون الآخرين .. وفى هذه المدينة الهادئة البعيدة
بدأ " كنعان زبير "يمارس
ألاعيبه السيئة مرة أخرى ، ولكن بطريقة مختلفة !!
ف"
كنعان " و قد وجد نفسه في مجتمع صغير
سكانه يتمتعون بالطيبة ويحنون إلى الحياة الطبيعية و إلى تبادل
الكلام.. شجعه هذا الأمر على تطوير أساليب وطرق
النصب والغش والخداع التي ظل يمارسها طوال عمره .. و قد بدأ " كنعان
" هذا التطوير بتغيير شكله وهيئته
الشخصية ، فأدخل عدة تغييرات على أسلوب ارتدائه للملابس و مشيه و تعبيرات وجهه.. وأسلوب كلامه .. خصوصاً كلامه ! فقد أدرك ثعلب
كبير مثل " كنعان " أن سكان هذه
المدينة يتعاطون الكلام ويمارسونه سراً ..حتى ولو تظاهروا بعكس ذلك ! ومن هذه
النقطة بالذات بدأ " كنعان " لعبه
على أهل هذه المدينة المساكين !!
وعلى الناحية الأخرى كان " يوسف " الصغير
يراقب كل تصرفات وأفعال " كنعان " عن قرب.. ويري كل محاولاته لخداع أهل المدينة و إقناعهم
بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان ..
فقد أستغل " كنعان " حنين أهل المدينة إلى
الحياة الطبيعية و رغبتهم في العودة إلى استخدام الكلام .. و هو ما يخالف نظام
الدولة العام و قوانينها غير المكتوبة، و بدأ في استمالتهم إليه و إقناعهم بقدراته الخارقة ..و المصيبة أن
" كنعان "وجد من يصغى إليه ويصدق
خرافاته وكلامه الفارغ ..فقد أجاد النصاب اللعبة و أحسن اختيار من يلقي عليهم
شباكه من أهل المدينة.. ولذلك لم يمضى شهر واحد على وجود " كنعان " في
هذه المدينة حتى كان أغلب سكانها قد صاروا في جيبه و خاتماً في إصبعه .. و من أجل أن يكمل " كنعان " سيطرته علي عقول سكان
المدينة صار يعقد لهم اجتماعات سرية كل
أسبوع يلقى فيها بعض الخطب الفارغة التي لا
معنى لها ويعرض عليهم بعض الألعاب والحيل التي كان يمارسها عندما كان يجوب البلاد
والمدن .. وكان الناس الذين يحضرون هذه الاجتماعات يتزايد عددهم يوماً بعد يوم..لأنهم كانوا يجدون فيها فرصة
للكلام والثرثرة ومشاهدة أشياء غريبة عليهم .. فرصة ليحيوا الحياة الطبيعية التي
حُرموا منها منذ أن تم تطبيق النظام الجديد في الدولة.. 0 منذ أن تحولوا من
يتكلمون ويضحكون ويحبون ويكرهون ويغضبون إلى آلات
لا تنطق وتؤدى عملها في صمت دائم مؤلم !!
ولكن ما
دور " يوسف " الصغير في كل ذلك ؟!!
هل كان يقف ويشاهد ما يحدث أمامه دون أن يتدخل أو
يفعل شيئاً طيبا؟
لا ، طبعاً!
فقد كان القدر يدخر هذا الصبي الصغير لمهمة كبيرة
ودور عظيم يعجز من هم أكبر منه سناً عن القيام به !!
.........................
في يوم الخميس – الثامن عشر من الشهر – عقد السيد
" كنعان زبير " – الذي صار ملك غير متوج على المدينة – اجتماعاً لأنصاره
من سكان المدينة في قاعة مجلس المتابعة الثقافية بوسط المدينة .. وجلس" كنعان
" على كرسي عالى فوق
المنصة بين شاشات العرض العكسي .. وجلس معجبيه في صفوف طويلة بأسفل المنصة ..بينما
جلس" يوسف " الصغير في صف
بمفرده في آخر القاعة !
وفى تمام الساعة التاسعة أكتمل وصول أنصار "
كنعان " ومعجبيه وامتلأت القاعة عن أخرها
بهم !!.. وبعد خمس دقائق بدأ " كنعان " يخطب في الجمع المحتشد
حوله قائلاً :
" مساء
الخير يا أصدقائي .. أرجو أن تكونوا في تمام الصحة والسعادة اليوم .. [
ثم ضحك " كنعان " باستظراف وواصل ]..
مساء
جميل.. ألا توافقونني على هذا ؟!!....وبالمناسبة فإن هناك شيء مهم أود إخباركم به ..
شيء عظيم حدث معي منذ سنوات طويلة و في ذات مساء يشبه هذا المساء تماماً ...... "
وأخذ " كنعان " يحكى ويزيد ويعيد في
روايات مملة وحكايات سخيفة ويتباهى بشجاعته الفائقة في مواقف لم يرها أو يشهدها
أحد .. وظل " كنعان " يكرر ما يقوله
حتى أُصاب الملل " يوسف
" الصغير.. الذي ظل – طوال الثلاث ساعات التي قضاها " كنعان " في
خطبته التي لا معني لها – و هو يتطلع متعجباً إلى الناس البلهاء المساكين
المنبهرين بما يقوله نصاب محتال دجال يدعي العلم بكل شئ.. و هو في الحقيقة لا يعلم أي شيء عن أي شئ ..وفى الساعة الواحدة صباحاً بدأ " كنعان
" في عرض بعض ألعابه وحيله السحرية السخيفة.. و ارتسم الإعجاب والانبهار على وجوه الحاضرين و
هم يتابعون " كنعان "وهو يخرج الأرنب من القبعة ، ويحول الوردة إلى كوب زجاجي ، ويجعل من
الشريط الطويل ثعبان .. ويُدخل البيضة في فمه ويخرجها من أذنه ..وغيرها وغيرها
وغيرها .. وبعد ساعة أخري عاد " كنعان " يواصل خطبته العظيمة .. فجلس
بعظمة على المقعد المخصص له وقال في فخر رداً على تحيات الناس له :
" شكراً ..
شكراً لكم يا أصدقائي ..أرجو أن تكونوا مستمتعين بسهرتنا الليلة .. أعتقد أنكم لم
تسهروا لهذا الوقت منذ قرون طويلة
فالنظام الجديد يمنع المواطنين من السهر أو البقاء خارج بيوتهم لوقت متأخر
من الليل .. إليس كذلك ؟! "
ثم رسم
" كنعان " القرف و الاشمئزاز علي وجهه و أضاف :
" نظام
عقيم .. نظام قاسى لا إنساني !! .. لقد تحولتم بفضل هذا النظام البارد إلى آلات ..
مجرد آلات تؤدى عملها في صمت كالتروس..كالمسامير.. "
وهنا بان
الحزن والتأثر على وجوه الحاضرين وتبادلوا النظرات
" لقد قضى
هذا النظام الفاشل على أهم ما لديكم ..أهم ما تملكونه.. أرواحكم أيها الناس.. ماذا
بقى من أرواحكم .."
همهم الحاضرين بعبارات ساخطة
" ماذا بقى
من أرواحكم يا أصدقائي ؟!!.. لا شيء ! .. لقد ضاعت أرواحكم و ضاعت معها إرادتكم الحرة و لحظاتكم الخاصة الجميلة ..
أيها الناس .. يا أصدقائي الأعزاء .. حتى متى تصبرون على هذا الوضع .. حتى متى
تظلون صامتين ومغلقين أفواهكم ومنطوين على جراحكم وآلامكم .. ثوروا .. ثوروا على أوضاعكم السيئة 0 ثوروا
على الصمت وعلى السكون وعلى السماء الباردة الخالية من
حرارة النجوم ! "
وهنا حدث انقلاب في القاعة وأخذ الناس يصرخون
بأعلى أصواتهم ..يسبون ويلعنون النظام الجديد والقائمين عليه .. وكاد الناس يفقدون
أعصابهم فيحطمون القاعة أو يحرقونها بما فيها.. و أخذ "كنعان " ؛ من ناحيته ؛ يزيد من
ثورتهم وغضبهم ويصيح فيهم دون توقف :
" ثوروا .. ثوروا .. كفاكم سكوتاً وموتاً!! "
وكاد الأمر يتحول إلى كارثة .. لولا..لولا العامل الوحيد الذي
أهمله " كنعان " .. العامل الوحيد الذي
لم يحسب له
النصاب حساباً ولم يهتم به أو يفكر حتى في
وجوده .. " يوسف " الصغير .. رفيقه اللدود الذي رافقه أسابيع طويلة ورأى
وسمع وعرف عنه كل شيء.. عرف و رأي حيله
الوضيعة
ونصبه
ودجله وادعاءاته وكذبه وخداعه وتلونه ..ولم يرضى عن شيء من هذا كله ..
ندم " يوسف " على هروبه من
المدرسة برفقة نصاب كذاب .. ندم على تسرعه
وغضب من تصرفات و أفعال " كنعان
" و قرر الانتقام منه في الوقت
المناسب !! وهذا هو ؛ بالضبط ؛ الوقت المناسب!!
فجأة وقف " يوسف " الصغير في آخر
القاعة وصاح في الناس الثائرة الغاضبة وصرخ بأعلى صوته قائلاً:
" لا
تصدقوه .. لا تصدقوا هذا النصاب !!"
فصمت الناس والتفتوا ناحية " يوسف "
الذي واصل وهو يشير إلى " كنعان " بسبابته :
" أيها
الناس .. لا تصدقوا هذا الرجل .. إنه نصاب.. إنه مجرم وهارب من العدالة .. هذا
الرجل يخدعكم ويغشكم ويخبركم بالأكاذيب .. إنه دجال محتال ولا وطن له ولا أرض
تقبله .. إنه . "
كان صوت
" يوسف" الصغير يرن في أرجاء القاعة مخبراً للناس بكل شئ.. كل شيء عرفه و رآه و سمعه من هذا النصاب .. بينما
كان النصاب " كنعان زبير "؛ في نفس
اللحظة ؛ يعبر
باب القاعة الخلفي جرياً محاولاً الهرب..
ولكنه وجد نفسه محاطاً برجال المحكمة !!
وبعد
لحظات خرج " يوسف " الصغير من القاعة ؛ تتبعه
جماهير الناس ؛ وأتجه ناحية " كنعان زبير "..الذي أحاط
به رجال المحكمة وكونوا حلقة من حوله..
و نظر
" كنعان " ؛ الذي
اصفر وجهه كالليمون ؛ إلى
" يوسف " الصغير نظرة غريبة .. أما " يوسف " فقد مد يده
لمصافحة أحد رجال المحكمة الذي ابتسم في وجه
" يوسف " طويلاً.. و فجأة تحدث إليه !!
فوجئ " يوسف " حقاً عندما قال له رجل
المحكمة ببساطة و دون إنذار :
" شكراً
لك أيها الصبي الشجاع .. فلولاك لما تمكنا من الوصول إلى هذا النصاب !! "
بعد لحظات
تم وضع القيود في يدي " كنعان زبير " و ركب ؛ برفقة
رجال المحكمة ؛ في سيارة كبيرة ..وبقى " يوسف " الصغير
مع أهل المدينة الذين أحاطوا به وأخذوا يحدثونه بلطف ويبتسمون له .. أما هو فلم
يكن يشغله سوى تصرف رجل المحكمة غير المتوقع.. فبعد أن تكلم مع " يوسف "
تركه و مشي قليلاً.. ولكنه استدار و نظر
ل" يوسف " نظرة غريبة .. ثم غمز له
بعينه!!
تمت

تعليقات
إرسال تعليق