التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المتحولون ( رواية مسلسلة ) الفصل الأول

 

حينما ظهرت صورة الرحم علي جهاز السونار كانت المفاجأة أكثر من سعيدة للزوجة الشابة " مني " ..
كان من حق " مني " أن تفرح ، وأن تنتشي ، بل حتى أن تتحزم وترقص وتغني ، دون أن تخشي ملامة من أحد .. ومن هذا الذي كان سيلومها ؟
سيدة مضي علي زواجها تسعة أعوام دون أن ترزق بطفل ، وتحملت الكثير من ازورار زوجها عنها في الفترة الأخيرة ، ومعايرة حماتها لها التي لا تنتهي ، تجد نفسها بعد تلك السنوات التي كانت في طول زمن بأكمله ، وقد من الله عليها بالحمل .. ليس هذا فقط ، بل تكون المفاجأة الأخرى ، بعد ثلاثة أشهر في انتظارها ، وإذ بها تحمل طفلين وليس طفلا واحدا ..
تواءما سعيدا جاءوا أخيرا ليدفعوا عنها ذل الملامة والتعيير والتهديد بتزويج الزوج بأخرى لتنجب له الذرية المنتظرة .. أنكم ، يا من تضحكون وتمصمصون بشفاهكم هناك ، لا تعرفون معني زوجة لا تنجب لتسع سنوات في قرية في الصعيد .. هذا يعني ببساطة أنها يجب أن تبرئ زوجها ، وكافة المعنيين معه ، من كل حقوقها بما فيها حقوقها الإنسانية البسيطة !
لكن الحمد لله .. فكل ذلك قد أنتهي الآن !
عادت " مني " إلي البيت سعيدة ، وهي تستند علي زوجها بحرص متظاهرة بالتثاقل مع أنها في الحقيقة لم تبرز بطنها إلا قليلا ، لتلقي لحماتها بالخبر السعيد .. طبعا فرحت الحماة بشدة وأخذت تمتم داعية لها بالسلامة ، وأن يكمل الله لها حملها علي خير ، ويعطيها ( ساعة سهلة ) .. لكن الغريب أن الحماة أظهرت بعد ذلك بعض المخاوف التي لم تتفهم الزوجة سببها :
" لكن لازم علينا  بعد ما تولدي  بالسلامة أننا نحسب1 الأولاد وناخدهم  لسيدي العارف بالله2 ! "
نظرت لها " مني " ، ومن خلفها زوجها بدهشة ، وسألاها عن السبب فقالت بهدوء وهي تمتم داعية بالسلامة :
" عشان ما يطلعوش قطط ! التوائم بيطلعوا بالليل قطط ! "
طبعا ضحكت " مني " ، التي أتت من الإسكندرية ، ولم يسبق لها السمع بتلك ( الخرافة ) الصعيدية المتجذرة القديمة .. أما الزوج فقد تحاشي أن يضحك حتى لا تعتقد أمه أنهما ، هو زوجته يسخران منها أو من أفكارها البالية .. طبعا وافق الاثنان علي اقتراح الأم ، وماذا سيخسران بمجرد أخذ الطفلين إلي ضريح العارف بالله وتركهما تحت كسوة الضريح الخارجية لبضع دقائق وتقديم نذر إلي مسجده ؟!
لا شيء البتة ..
فقط كانت " مني " تتمني أن تمر أيام الحمل سريعا ، رغم خوفها من لحظة أول ولادة لها ، ليأتي اليوم الموعود الذي انتظرته طويلا .. يوم أن تضم قطعة لحم حمراء ، حية متحركة لها عينان ورأس وأطراف وفم صغير وأقدام صغيرة ملساء جميلة كحبات السكر ، إلي حضنها وتتشمم رائحتها المتميزة .. قطعة لحم خارجة من بطنها ، من رحمها ، من تحت قلبها كما يقولون .. وتحققت أمنية " مني " بالفعل ، فمضت شهور الحمل كمر الهواء .. وجاء يوم خميس سعيد منير ، في الثانية صباحا شعرت الزوجة بالآلام الأولي للطلق ..
داهمتها آلام في أسفل ظهرها تزايدت قوتها تدريجيا ، ثم ألتفت الآلام حول خصرها واصلة إلي بطنها من الأمام ، التي أخذ جدارها يتصلب ويرتخي علي فترات متتابعة منتظمة .. حدثت بضعة انقباضات قصيرة نوعا ، تتخللها فترات من انقطاع الألم ثم عودته ثانية .. خلال تلك اللحظات القليلة كان الزوج السعيد " حمدي " قد هرع إلي أسفل ، مبشرا أمه المتلهفة بأن زوجته تلد .. صعدت الأم سريعا إلي حيث توجد غرفة نوم الزوجين ، وذهبت من فورها إلي زوجة ابنها تطمئن عليها ومالت علي أذنها تسألها عن أشياء معينة ، كان واضحا أن الأم لا ترغب في أن يسمع ولدها ما تتبادله مع زوجته من كلمات ، بدورها مالت " مني " ، التي يخبط الألم جسدها وينقره علي فترات متتابعة ، تخبرها بما تريد أن تعرفه .. أنار وجه الحماة وهتفت آمرة ولدها :
" هات عربية عمك " السيد " يا ولدي .. مراتك بتولد ! "
بسرعة ولهفة وسعادة أسرع " حمدي " يرتدي جلابية بلدي رمادية ، ألتقطها من فوق المشجب القريب ، وارتداها علي عجل ، وهرع لتنفيذ أمر أمه ..
بدورهم كان كل من في البيت قد استيقظوا علي أصوات النداء والخطوات المهرولة علي السلالم ، وأسرعوا يعرضون خدماتهم علي أخاهم الأكبر ..
خلال دقائق كان أمر السيارة قد تم تدبيره ، و" مني " تغادر فراشها بصعوبة ، بمساعدة حماتها وشقيقة زوجها الكبرى " صفاء " ، وثمة شال أسود كبير يُلف حولها .. ثم تساعدها المرأتان علي هبوط السلم ، الذي كان عملية مؤلمة للغاية بالنسبة للمرأة التي تعاني نوبات طلق أطول في مدتها مما سبق وعلي فترات زمنية أقصر ..
حينما وصلت المتألمة المستغيثة إلي أسفل السلم أسرع زوجها يساعد أمه وأخته في سندها ومساعدتها حتى تصل إلي السيارة المتوقفة أمام باب البيت بالضبط ..
كان الليل باردا بالخارج وريح خفيفة مثلجة تكتسح الشوارع المظلمة الخالية .. لكن الآلام العنيفة التي تداهم الأم المرتقبة والسخونة التي تلهب بطنها وجسدها لم تجعلها تشعر بأية برودة ..
بصعوبة ، بسبب بطنها البارزة الضخم ، دخلت " مني " إلي المقعد الأوسط بالسيارة ولحقت بها حماتها ، التي جلست بجوار زوجة ابنها ثم وجهت أوامرها إلي ابنتها :
" خليكي في البيت أنت يا صفاء .. إحنا ممكن نتأخر وأخواتك ميلقوش حد يفطرهم في الصبح ! "
أطاعت الفتاة علي الفور وتراجعت ، وهي تحكم شالها حول جسدها ، ودخل الزوج إلي المقعد الأمامي بجوار السائق ، الذي كان يحتل مقعده أمام عجلة القيادة بالفعل ، ولم يكد الزوج يغلق باب السيارة خلفه حتى أنطلق بها السائق إلي عنوان طبيب النساء والولادة د " أشرف " الذي يعرفه جيدا ، والذي تتابع معه " مني " منذ بداية حملها ..
لم تكن عيادة الطبيب بعيدة وكان هذا من حسن حظ الزوجة التي وصلت آلام الطلق لديها إلي أوجها .. حتى بدأت تشعر بالخدر من شدة الألم ، واعتقدت أنها علي وشك أن تفقد الوعي ..
لم يكن بالعيادة سوي حالتين .. إحداهما يجري نقلها ، علي نقالة ، إلي حجرة جانبية بعد أن غادرت غرفة الولادة بالفعل ، وخلفها سيدة سمراء نحيفة تحمل على ذراعيها فوطة بيضاء بها كتلة لحمية شديدة الاحمرار .. أما الحالة الثانية فكانت ، مثل " مني " التي وصلت لتوها إلي العيادة ، لا زالت تعاني آلام المخاض علي سرير في حجرة بالقرب من حجرة الولادة .. ولم تحين ساعتها بعد !
أجلسوا " مني " علي طرف فراش آخر ، بالقرب من الفراش الذي ترقد عليه المتوجعة المتألمة ، صرخت عندما مس جنبها الفراش لأن الألم زعق في ظهرها وجانبها الأيمن ، وأحست أن بطنها على وشك أن تنفلق من الألم .. بصعوبة تعاون الزوج والأم علي تحريكها حتى تمكنا من إراحتها علي ظهرها قليلا .. هرع الزوج ليبحث عن الطبيب بينما بقيت الحماة مع زوجة أبيها :
" متخافيش يا نور عيني .. هتولدي بعد شوية وتقومي لنا بالسلامة ! "
ابتسمت " مني " ، رغم شدة ألمها ، فحماتها لم تحادثها بتلك الطريقة اللطيفة منذ ليلة دخلتها علي ولدها ، وتساءلت :
" أتصلتوا بماما ؟! "
كانت أم " مني " وأسرتها يقيمون بالقاهرة ، وكان من المحال أن يلحقوا بها قبل أن تلد ، لكنها شددت علي ابنتها مائة مرة أن تخبرها فور إحساسها بآلام الولادة حتى تأخذ أول قطار وتحضر لها في ( سوهاج ) ..
بسرعة أجابت الحماة ، رغم أنها لم تكن تطيق حماة ابنها أصلا :
" طبعا يا حبيبتي .. وقالت إنها هتركب أول قطر وتيجي مع أخوتك ! "
كان والد " مني " متوفيا.. وخلال تلك المحادثة القصيرة كانت الآلام تشتد وتشتد ب" مني " ، وتصبب منها العرق .. وبدأت تعاني نوبات آلام أكثر امتدادا ووجعا ، وبعد مرور عشر دقائق ، جاءت ممرضتان وخلفهما سيدة سمراء وبدءوا في مساعدة السيدة الأولي علي مغادرة الفراش والانتقال إلي غرفة الولادة .. خلفهم جاء الطبيب الذي طلب من حماة " مني " مغادرة الغرفة للحظة ليكشف علي زوجة ابنها :
" سأبقي معها يا دكتور ! "
نظر الطبيب إلي " مني " وكأنه يستأذنها في بقاء حماتها معها وهو يكشف عليها .. هزت " مني " رأسها وقالت بصعوبة :
" أيوه .. خلي ماما معايا ! "
بدأ الطبيب يكشف علي " مني " .. كانت كل حركة وكل ضغطة من يده علي بطنها أو جانبها يزيد من ألمها كثيرا .. أخيرا أنتهي ليقول بعدها :
" قدامك ساعة علي الأقل يا ست " مني " ! "
أغلقت " مني " عينيها من فرط الألم ، وأخذت تمزق شفتيها بأسنانها وسألته غير مصدقة :
" ساعة كاملة ؟ أنا حاسة إني هولد دلوقتي  ! "
ابتسم لها الطبيب وقال بلطف :
" ده عشان دي أول ولادة لك .. الرحم ما توسعش بالنسبة المطلوبة لسه .. فاضل قدامك  ساعة تانية علي الأقل ! "
غادر الطبيب الغرفة وترك " مني " تعاني آلام المخاض الرهيبة .. وحماتها ، التي نزل عليها حنان وطيبة الدنيا كلها ، تحاول التسرية عنها وتخفيف آلامها ..
اقتيدت المرأة الأخرى إلي غرفة الولادة .. وبدأت صرخاتها ، التي كانت خافتة حتى الآن ، تتزايد وتصل إلي عنان السماء !
                                                    ...

بعد نصف ساعة وصلت " مني " إلي حالة شديدة السوء وأحست أنها علي وشك أن تنفجر .. تعدي مدي الآلام ما يمكنها احتماله فتعالت صرخاتها الملتاعة المستغيثة .. حضرت إليها ممرضة بدينة قصيرة وأعطتها حقنتين لزيادة حمية الطلق وتوسيع عنق الرحم .. تسببت تلك الحقن اللعينة في مزيد من الألم والعذاب لمني ، التي لم تعرف معني إعطائها حقن لزيادة الطلق ، وهي تعاني طلقا حاميا كالنار يوشك علي تمزيقها نصفين ..
دخل الزوج للاطمئنان علي زوجته وحاول أن يفعل أي شيء لتهدئة آلامها ومخاوفها .. لكن الآلام التي تعصف بها جعلتها غير واعية أصلا بوجوده ، أو وجود أي أحد آخر ، بجوارها .. فجأة تعالت صيحات خافتة ضعيفة من غرفة الولادة المغلقة .. كان واضحا أن صرخة طفل ولد لتوه !
ابتسمت الحماة سعيدة واقتربت من زوجة ابنها وقبلتها بحرارة وقالت لها مشجعة :
" صاحبتك ولدت .. عقبالك بعد شوية يا حبيبتي ! "
ولم تكد الحماة تطلق أمنيتها المتعجلة تلك حتى كانت الممرضات قادمات لحمل " مني " إلي غرفة الولادة .. أنتاب " مني " خوف مهول لم تجربه من قبل وسالت دموعا جديدة بسبب شدة الخوف ..
طمأنتها حماتها بأنها ستبقي معها وأنها لن تتركها حتى تضع طفليها بالسلامة !
حُملت " مني " إلي غرفة الولادة .. ودخلت برفقة حماتها وأغلق خلفهما الباب !
ولدي الباب وقف الزوج الملهوف ، الذي يموت قلقا وخوفا .. يتسمع لعله يسمع ما يطمئنه ويسعده قريبا !
...
مضت ساعة أخري تقريبا ترددت خلالها صرخات " مني " المستغيثة المعذبة وتصاعدت من داخل الغرفة المغلقة .. التي لم يفلح بابها الموصد بعناية في منع خروج أصوات الصراخ المتألمة المثيرة للشفقة من داخلها .. مرت لحظات ثقيلة الوطء علي الزوج المتصبب عرقا ، رغم برودة الجو ، أمام الغرفة التي ترقد بداخلها زوجته محاولة أن تمنحه الأبناء الذين يتوق إليهم منذ لحظة زواجهما السعيدة ..
تصاعدت بضعة صرخات أخري هزت كيان الزوج القلق المتوتر .. ثم ساد صمت مريب .. قطعته صرخة هائلة مدوية ، رجت العيادة ، ومعها قلب الزوج رجا ، تبعتها صرخة صغيرة خافتة .. صرخة وليد !
للحظة تعالت صرخة أخري من " مني " المسكينة .. لتتبعها صرخة أخري منخفضة لطفل وليد !
لقد ولد الطفلان بسلامة الله .. وأنتهي العذاب والألم والانتظار والرجاء الموجع للقلب والنفس .. انتهت اللحظات المؤلمة كلها وبدأت اللحظات السعيدة الرضية .. ومعها ستبدأ لحظات أخري لا ينطبق عليها أي وصف متاح في قاموس البشر !

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لويز بيت، دوقة الموت : السفاحة المبتسمة ! Louise Peete: Duchess of Death

  لويز بيت .. بدموعها خدعت قضاة ومحلفين ومحققين ! النشأة الأولي : سرقة وعهر : جنوح مبكر ! جاءت " لوفي لويز بريسلار إلي الحياة في يوم 20 سبتمبر 1880 ، في مدينة " بينفيل " بولاية لويزيانا الأمريكية لأب ثري يعمل ناشرا ولديه صحيفة خاصة .. وقد كان والداها مثقفين ومن الطراز المثالي ، ولكن الفتاة التي ألٌحقت بمدرسة خاصة في ( نيوأورليانز ) قد تم طردها من المدرسة وهي بعمر الخامسة عشرة لسببين هما : السرقة وسلوك مسلك غير أخلاقي .. فقد كانت الفتاة المثقفة الثرية تمتهن البغاء في أوقات الفراغ ! جنوح مبكر وعجيب وغير مبرر إطلاقا . وكانت " لويز " غاوية للرجال فلم تستطع أن تبقي بدونهم طويلا ، وعندما وصلت إلي سن الثالثة والعشرين ، أي في عام 1903 ، تزوجت من بائع متجول يدعي " هنري بوسلي " ، وبقيا معها ثلاث سنوات ، انتهت بأن أطلق الزوج النار على رأسه ! والسبب أنه وجد زوجته المصونة برفقة رجل آخر في الفراش ، فلما واجهها كلمته ببرود وسماجة ، وثبت أنها لا تشعر إطلاقا بجريمة الخيانة التي ارتكبتها .. وأمام برودها أحترق الزوج داخليا فلم يجد حلا يريحه سوي الانتحار ...

أكبر من أن يكون ملاكا !!

  لمعت نظرة مريبة في عينيها وهي تراقب الصغير يلهو أمامها ، لم تكن هي بدورها إلا صغيرة مثله ، طفلة لم تتعد أعوامها الإحدى عشرة ، ولم تقفز بعد فوق حاجز شرود الطفولة ونزق الطبيعة الثائرة ، التي تتمشي ف هوادة ، في العروق البارزة ، ملامح رقيقة ، لكن غموضها أضفي عليها طابعا يبعدها عن القلوب ولا يقربها ، كان لها رفاق بالطبع لكنهم كانوا رفاق ضراء لا سراء ، كل مهمتهم أن يوسعوا الصغيرة سخرية ، وأن يتهكموا عليها بكل ما أوتوا من قوة ، تنمر الأطفال الذي لا يدانيه في وحشيته وقسوته شيء .. وبدورها كانت " ماري " الصغيرة أكثر تنمرا وقسوة من رفاقها المشاكسين ، بيد أن الأمر كان مختلفا بالنسبة إليها ، كان الأطفال يكتفون بإلقاء الكلمات اللاذعة ،والسخريات المريرة ، والتعريض ببقع البول التي تلوث ملاءة السرير ، نشرتها أم " ماري " علنا ،معرضة بابنتها التي ( تفعلها ) في فراشها حتى الآن ، وربما تمادوا حتى مرحلة الإيذاء البدني البسيط ، رمي حجر أو قطعة حصى ، أو دس كسرات الزجاج الحادة في طريقها لكي تؤذيها ، كلمات جارحة وأفعال مؤذية ، لكنها لا تزال في مستوي ( الأفعال الطفولية ) ، مهما بلغت قسوتها ...

قضية " راشيل دوبكينز " The Murder of Rachel Dobkin.

  قضية قتل غريبة ومميزة اُرتكبت في خضم الحرب العالمية الثانية، والتي لم يتوقع أحد أن يتم الكشف عن مرتكبها نهائيا، بل ربما الجاني نفسه لم يتخيل أن القضية ستسجل كجريمة قتل عمد على الإطلاق . في البداية نقول أن الجاني كان ذكيا جدا، إذ أنتهز فرصة اشتداد الحرب العظمي الثانية، وازدياد عنف الغارات الألمانية على مدينة لندن، ليحاول اخفاء سر جريمته، التي أعتقد أنها يسوف تعتبر حالة وفاة ناجمة عن القصف الجوي، ولن تعلق به أية شبهة، تاريخيا تعرضت بريطانيا لسلسلة ممنهجة ومطردة من الغارات والهجمات الألمانية، التي ركزت جهودها على تدمير عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فبدأت القوات الجوية الألمانية من يوم 7 سبتمبر عام 1940 في قصف لندن في غارات منتظمة وكبيرة، مخلفة خسائر مهولة، وذلك تنفيذا لأوامر الفوهرر المتعلقة بذلك الأمر والتي صدرت قبلها بيوم واحد، وبلغ من عنف تلك الغارات وشدتها أنها تسببت فيما عرف بحريق لندن الثاني ( 29 ديسمبر 1940)، وقد بلغ من جسارة الألمان أنهم لم يتورعوا عن صب نيران طائراتهم على لندن حتى في وضح النهار، لكن وبداية من شهر نوفمبر 1940م أصبحت الغارات ليلية بشكل أساس...

الهفوة التي قضت على 22 مليون إنسان .. كيف أدي عناد رجل واحد إلي تحطيم العالم !!

  بعضُ الأخطاء التي وقعت كانت قدريةً بنسبة مائة في المائة, لم تكن ناجمة عن غباء أو خطأ في الإدراك لدى مقترفها, بل بشكل كامل هو تدبيرٌ من فعْل القضاء والقدر, وفي حالات معينة يكون هذا الخطأ سببًا ليس في دمارِ حياة إنسان ما وحسب, بل ربما- ولا سيَّما في حالتنا هذه- قد يكون سببًا في خراب العالم وتدمير حياة الملايين من الناس الأبرياء! أشهرُ هذه الأخطاء القدرية الصِّرفة هو الغلطة التي وقع فيها وليُّ عهد النمسا والمجر, الأميرُ المكروه الذي يتميز بالصَّلافة والغطرسة, وليّ العهد الذي وصلت إليه معضلةُ الوراثة دون انتظار, ولسبب جريمة غامضة وحادثة شهيرة حدثت لمن كان وريثًا شرعيًّا ومؤكدًا لعرش هذه الإمبراطورية, التي لم تعمِّر طويلًا, وحفل تاريخها بالمآسي والرزايا, واستكمالًا لتربُّص القدر بمملكة النمسا والمجر, وصلَ وليُّ العهد, الأرشيدوق "فرانز فرديناند" Archduke Franz Ferdinand 50 عامًا, وزوجته الأميرة "صوفي" Sophie , 46 عامًا, يوم 28 يونيو عام 1914م, إلى مدينة سراييفو, العاصمة الرسمية لإقليم البوسنة والهرسك, الذي كانت إمبراطورية النمسا تضع يدَها عليه, بمعنى أنَّ الزيارة كانت ...

القضية الغريبة ل " آلان روبيشو" ! The Mysterious Death of Allen Robicheaux

  بالرغم من أنَّ قصتنا هذه المرَّة لا تتضمن جريمةً بالمعنى المعروف, أي عدوان أو أذى من نوع ما يوقعه شخصٌ بشخص آخر؛ فإنها تضمَّنت لغزًا مروِّعًا احتاج لعشرين عامًا كاملة ليتم حلُّه, وتدميرًا لأسرة, وحياة بائسة لامرأة مسنَّة قضت نحبَها وهي لا تعرف أين زوجها, أو ماذا حصل له؟! إنَّ قضايا الاختفاء الغامض كثيرة, وتقريبًا تبدأ كلها بنفس الطريقة؛ يعود شخص ما إلى المنزل ليجد أحد أقاربه وقد اختفى, أو يخرج أحدهم في رحلة عملٍ أو نزهة ثمَّ ينقطع أثره, ولا يعرف أحدٌ أين ذهب. كان الشخص الذي اكتشفَ حالة الاختفاء هذه المرة هي الزوجة "لوسي ماي", سيدة في السبعينيات, تعيشُ في منزل بشارع فرانكلين/ جريتنا/ لوس أنجلوس, وكان من الواجب أن يكون زوجها "آلن روبيشو" Allen P. Robicheaux موجودًا بانتظارها يوم 15 ديسمبر 1973م عند عودتها من زيارة عائلية, لكنه لم يكن كذلك. انتظرت المرأة عودةَ زوجها لكنه لم يعدْ, لا في هذا اليوم, ولا فيما تلاه من أيام, فأينَ يمكن أن يكون الرجل ذو الثلاثة والسبعين عامًا قد اختفى؟! لم تكن هناك دلائلُ على حصول عنفٍ في المنزل, لا مذكرات تقول إنَّه ينوي مغادرة البيت لبضع...

معطف الحرب الأزرق ( قصة قصيرة )

    تسير وسطهم مرفوعة الرأس ، ترمق الطريق الملقي أمامها بنصف عين ، وعين ونصف عليهم .. كان مصيرها معروفا ونهايتها مكتوبة من قبل ، وقد تجرعتها ألوف النسوة قبلها .. خرجت من بيتها مرتدية آخر معطف عندها ، بلا قميص حقيقي تحته ، إنه صدر سترة أخيها وكمي زوجها الراحل ، المغدور الأول والمغدور الثاني ، القتيل الأول والقتيل الثاني ، من بين ألوف وملايين الأسماء .. ماذا كان اسميهما ؟! لعل أحدا لم يسأل هذا السؤال بينما كان يتم إلقائهما في حفرة ضحلة ، ورمي الجير فوق جثتيهما .. ولعلهما يرقدان في قبر واحد فقد ظلا دوما معا ! فقدت الأخ والزوج ، صديق الدم وصديق الرفقة والقلب ، صارت وحيدة وتهدمت المدينة فوق رأسها ، مثلما تهدم بيتها وسقط العالم مكوما فوق بعضه .. لماذا لا يموت الجميع في لحظة واحدة ؟! لماذا يبقي البعض ليدفن البعض ، ثم يلحق بهم بعد أوجاع وآلام ولحظات مريرة ، الجير الحي مخيف ، وطلقة في الرأس مخيفة ، لكن الوحدة وسط وحوش متربصة أكثر تخويفا وترهيبا ! هجر الجميع المدينة ، من بقي على قيد الحياة ، إن كان قد بقي أحد على قيد الحياة ، لا ينجو أحد من الحرب ، فيما عدا القتلى وحدهم ربما ، يعاين الأ...

الرجل الذي حول زوجته إلي نقانق !

  "لويزا بيكنيز"   Louisa Bicknese هي امرأةٌ أمريكية سيئةُ الحظ, في البداية بدَا وكأنها أكثرُ النساء حظًّا في العالم؛ إذْ تزوَّجت برجل مهاجر, ألماني الأصل, ورجلِ أعمال ثري, يملك أكبرَ مصنع للنقانق في شيكاغو. كان الزوج يدْعى "أدولف لوتجيرت" Adolph Louis Luetgert , وكان أرملَ معَ طفلين, تزوَّجته "لويزا" عام 1878م, وعاشا معًا حتى عام 1897م, حيث رزقَا بأربعة أطفال. كان للسيد "لوتجيرت" مصنعٌ شهير للنقانق, ولُقِّب بملك النقانق, لكن طباعه كانت سيئةً إلى حدٍّ ما, فقد كان عنيفًا تجاه زوجته, كما شوهِد ذاتَ مرَّة وهو يطاردها حاملًا مسدسًا. لكن على أي حال, ففي أوَّل أيام شهرِ مايو من ذلك العام خرجتِ الزوجة لزيارةِ أختها, وقال الأبُ ذلك لأطفاله حينما سألوا عنْ والدتهم في اليوم التّالي, غير أنَّ "لويزا" لم تعدْ من زيارة أختها مطلقًا. بدأتِ الشكوك والتساؤلات, ولاحقًا قامَ شقيق الزوجة المفقودة بالإبلاغ عن فقدانها. ثمَّ ظهرت أدلةٌ مقلقة حول تورُّط الزوج في مصاعبَ مالية, وعلاقته بأرملةٍ ثرية, مما دفع البعضَ إلى الاعتقاد بأنه تخلص من زوجته ليتزوَّج الأرم...

إلي جميع محبي القضايا الغامضة وغير المحلولة .

  إلي كل زوار ومتابعي المدونة الأعزاء : تم إنشاء مدونة رديفة، متخصصة في نشر القضايا الباردة، والتي بقيت بدون حل من جميع أنحاء العالم، ومن أزمان وعصور مختلفة .. وذلك هو رابطها لمن يحب إلقاء نظرة عليها . https://coldcases1.blogspot.com/ يسعدنا تلقي اقتراحاتكم .. أو طلب عرض قضايا معينة تثير اهتمامكم .