التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المتحولون ( رواية مسلسلة ) الفصل الثاني

 

 
الوالدان غاية في الجمال .. تلك كانت حقيقة لا يمكن أن تنكرها عيون أي أحد تقع عليهما .. وهي لم تكن كثيرة علي أية حال ، فالجدة وخوفا من الحسد والعيون المدورة ، منعت أغلبية الناس من رؤية التوأمين .. واختلقت لذلك ألف حجة وحجة كلها مقبولة في نظر النسوة الفاهمات سبب إقدام الجدة علي منعهن من رؤية حفيديها الصغيرين .. فهن قد فعلن مثلها من قبل ، ولا زلن يفعلن كلما ولد في أسرهن ولد جديد .. لا يجب أن تقع أعين علي المولود إلا في أضيق الحدود الممكنة ، فكل عين تقع علي مولود في عرفهن هي سهم معد لكي ينفذ في أحشاء الولد ويصيبه بجميع أنواع العلل والأمراض ، بل ربما تسببت عين قوية في الإجهاز علي المولود وإهلاكه عاجلا غير آجل .. سلاح آخر لمقاومة هجمات العيون الحاسدة لجأت إليه الحماة العتيدة ، وهو سلاح الذم في ابني ولدها اللذين أبصرا نور الدنيا منذ ساعات قلائل .. كانت قد أخفت عن الجميع ، الجيران والأقارب الأبعدون ، أن زوجة ابنها تحمل صبيين خلال فترة حملها ، وحذرت كافة أبنائها ، و" مني " نفسها من إفشاء هذا السر ، الذي تعتبره خطيرا ، لأي مخلوق غير مرغوب فيه .. لكن لسوء حظ تدبير الجدة وتخطيطها فإن الخبر ذاع وشاع وأنتشر ، كمبيد الحشرات الجيد ، وعلم القاصي والداني بأن زوجة ابنها البكر ستأتي بولدين ، وليس ولدا واحدا .. هناك خابت خطة الحماة الأولي الأساسية ، فلجأت إلي الخطة ب الاحتياطية .. وعندما تدفق الجيران والأقارب لتهنئتها بمجرد أن نما إليهم خبر عودة زوجة ابنها من عيادة الولادة ، والتفوا حول الجدة حتى بدأت تذم في ولدي ابنها الصغيرين وتقلل من شأنهما ..
فالولدين ، بحسب وصف جدتهما الدقيق ، في منتهي النحافة والضآلة ومولودين والمرض معهما ، ومصفرين وناشفين3 ، وليس بهما رطل لحم واحد يوحد الله ، ومن يراهما يعتقد أنهما عيل واحد وتم قسمته إلي أثنين .. إلخ إلخ !
والحقيقة أن الحاجة قد أبدعت في رمي حفيديها الصغيرين بكل نقيصة رغبة في دفع أذي العين والحسد عنهما عملا بالمثل الشعبي : (  ابن الكُبة طلع القبة و ابن اسم الله خده الله )
والحقيقة التي كانت الجدة تعرفها ، وتتجاهلها عمدا ، أنه لا أحد سوف يصدق إدعاءاتها بشأن " أحمد " و " محمود " أو سيؤثر كلامها الموزون المقفى علي قدراته الخارقة في السحر والنفاذ حتى قلب الحجر وفلقه إلي نصفين .. لكنها كانت تأخذ بالأسباب وكفي ، وأجرها علي الله .. حتى سبوع الولدين ، الذي كان من المنتظر أن يكون مشهودا لأول أحفاد للعائلة ، أصرت علي أن يكون في أضيق الحدود وأبسطها .. فأعلنت قرارها العنتري بمنع إقامة أي احتفالات في البيت ، واكتفت بتجهيز عدد كبير من علب وأكياس السبوع وملأها بالحلوى والفول والفشار وكرت صغير يحمل اسمي الصغيرين معا مع عبارات موجهة لمن سيفتح العلبة ويأكلها ، بالسم الهاري، بأن يحملوا الولد بحنان لأن أمه تعبت فيه ، ولا أحد يعلم ما شأن من سيحصل علي هدية السبوع من علب الحلوى والفشار بحمل المولود أو حطه ؟!
المهم أنه بهذه الطريقة تجنبت الجدة عددا كبيرا من الأعين المحدقة ، مشاريع الحسد ، في ولدي ابنها الصغيرين الرائعين ..
وصلت أم " مني " وأختها " نهال " وأخيها " سعيد " في مساء يوم الولادة بعد رحلة شاقة مجهدة تماما من مصر إلي سوهاج .. كانت الأم سعيدة جدا بإنجاب ابنتها البكر ، رغم أنها كانت مشفقة عليها من متاعب تربية توأمين والسهر عليهما .. لكنها كانت شاكرة لله الذي أطعم ابنتها بعد جوع وأعطاها بعد منع ، وأعزها بعد ذل وسط عائلة زوجها المولعة بالأطفال وبالنسل الوفير والعزوة العزيزة القوية ..
أما الجدة فإنها لم تكد تفرغ من مسألة السبوع ، التجهيز له والتخلص من فرصة قدوم مدعوين ليحملقوا في الولدين وكأنهم ينوون التهامهما ، حتى بدأت تستدير للمسألة الأهم والأخطر .. منع الولدين من التحول إلي قطط ليلا !
تلك أضحوكة في نظر الكثيرين ، وحتى من أبناء الصعيد المتعلمين المثقفين أنفسهم ، لكنها في نظر الجدة غير المتعلمة البسيطة ، التي استقت ثقافتها الشعبية من أزقة وشوارع مركز ( البلينا ) الصغير المتلاصق ببعضه ، كانت تلك أكثر من حقيقة .. بل هي جزء من عقيدتها الشعبية وكينونتها العقلية وهي تؤمن بأن التوأم يتحولون ليلا إلي قطط جائلة مثلما تؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر !
ولم يكن من فائدة لكل محاولات إثنائها عن تلك الفكرة وإقناعها بسخف هذا الاعتقاد ، سوي أن يزيد تمسكها بهما .. لكن الأمر لن يتمخض عن خسارة فادحة في أغلب الأحوال ، فمطاوعة الجدة فيما تعتقده وما تريد تنفيذه لن تكلفهم شيئا كبيرا .. فقط سيكفيها جدا أن يرافقها ابنها البكري وأي واحد آخر من أولادها ، أو من الأقارب حتى لا مشاكل ، حاملين الطفلين  ، إلي ضريح ( سيدي العارف بالله ) في سوهاج لتحسيب الطفلين ووضعها تحت غطاء التابوت القماشي للحظات لحمايتهما من انسلال أرواحهما ليلا علي هيئة قطط صغيرة هائمة بلا ذيل !
كان بوسع الجدة بالطبع أن تكون أقل تطلعا ، وتكتفي بأحد المشايخ والعارفين الموجودين بالقرب منها في المركز نفسه ، مثل الشيخ " دنور " أو " السنجق أحمد " ، لكن لزوم الفشخرة والنعرة الكاذبة فلابد من العارف بالله حتى لو كان البديل موجودا ومتوافرا الحمد لله ..
لكن زيارة العارف ليست بتلك البساطة يا جدة .. فحمل طفلين صغيرين غضين ، والزج بهما في وسط سيارة مكدسة بالبشر ، وتحملهما مسافة 50 كيلومترا علي طريق لو سار عليه من يبتغي الجنة ، وكانت تنتظره في نهايته ، لعاد أدراجه تعبا ونصبا .. فالمسافة من المركز عامرة ( اللهم زد وبارك ) بالمطبات الصناعية التي يربوا عددها علي المائة والعشرين أو أكثر .. فهل يمكن أن يتحمل الطفلين تلك المشاق !
هذا مع صرف النظر عن زحمة ( سوهاج ) نفسها والبرد الذي يمكن أن يعصف بالطفلين الضعيفين في تلك الأيام الصعبة عليهما ؟!
وهكذا ، وبعد دراسة متأنية ، وحساب الخسائر المتوقعة ، وإصابة الولدين العزيزين بالمرض لا قدر الله ، قررت الجدة أن تخفف من تطلعاتها الطبقية قليلا ، وتكتفي بزيارة أحد مشايخ ( البلينا ) ، ليقوم بمهمة تحسيب الطفلين  ومنعهما من التحول !
كان يجب أن تؤدي هذه المهمة علي ثلاثة مرات .. ثلاثة جمع متتالية يجب أن يُحمل فيها " أحمد " و " محمود " إلي ضريح الشيخ ليوضعا تحت غطاء التابوت هناك .. لكن الجمعة الأولي من حياة الطفلين  أتت عليهما وهما مريضين بالصفراء !
فقد ظهرت أعراض مرض الصفراء الخاص بحديثي الولادة علي التوأمين عقب ولادتهما بخمسة أيام .. فقد لاحظت الأم الملهوفة أن طفليها تغير لون جلدهما وبياض أعينهما إلي الأصفر خلال يومين متعاقبين زاد فيهما معدل الاصفرار .. هرع الأبوان الجديدان بالطفلين إلي الطبيب الذي شخص الحالة بأنها صفراء نادرة ناتجة عن الرضاعة من ثدي أمهما ، وأوصي بأن تزيد " مني " من مرات إرضاعها لأطفالها من صدرها لزيادة عدد مرات الإخراج عندهما للتخلص من الصفراء الزائدة .. كانت الحالة في مجملها بسيطة لكن خوف الأبوين المبالغ فيه جعلهما يرفضان بشدة طلب الجدة في يوم الجمعة التالي مباشرة لمولد الطفلين باصطحابهما إلي ضريح الشيخ " دنور " لتحسيبهما !
طبعا كان من النادر أن يستطيع " حمدي " الطيب المطيع أن يقف في وجه أمه ويرفض لها أمرا ، لكن مرض الطفلين  كان سببا قويا جعله يحظي بمؤازرة باقي أخوته وأبيه في رفضه إخراج الطفلين  في البرد وهما مريضين .. كانت تلك كارثة بالنسبة للجدة ، ولم يكن يجدي معها التطمين الذي أطلقه ابنها لها بأنه سيسمح لها باصطحاب الطفلين  حين يبرأن  ، أينما تريد أن تأخذهما ، لأن معتقدها الشعبي ينص علي أن عملية ( التحسيب ) يجب أن تتم في أول ثلاثة جمع من حياة التوأم وإلا لما كان لها قيمة بعد ذلك أبدا !
لكن كيف السبيل إلي مضاهاة الحجة بالحجة والولدين في حالة سيئة فعلا .. فبالإضافة إلي الصفراء أصابتهما كحة جافة غليظة جعلتما لا ينامان ليلا إلا لماما .. ربما بسبب خروجهما إلي الحياة في غرفة الولادة تحت التكييف مباشرة مما أثر علي أجهزتهما التنفسية وصدريهما !
إذن لم يكن مناص أمام الجدة إلا من الرضوخ .. أو تأجيل تحسيب الولدين لجمع أخري بعد أن يبلا من مرضهما !
وأتت الجمعة الثانية في حياة الطفلين وهما أفضل حالا ، لكنهما ما زالا مريضين بشكل خفيف .. صحيح أن الصفراء قد أوشكت علي أن تختفي تماما ، والكحة كذلك كادت تلملم أذيالها وتفارقهما ، لكن بنية الطفلين  القوية ما لبثت أن تضعضعت وبدآ يعانيان متاعب صحية متتالية .. طبعا كانت هناك عشرات وعشرات من الأسباب التي يسهل أن يعزي إليها أسباب مرض الطفلين  المتوالي .. لكن الجدة ركزت علي سبب واحد وأعلنت أنه السبب الأول ، وربما الوحيد ، فيما يعانيه الطفلين ، وهو خالتهما " نهال " ، التي أتت من الإسكندرية ، لتبارك لأختها " مني " علي ولادة الطفلين ، فقد كانت " نهال " زوجة عاقر بشهادة الجميع ، لم تحمل ولم تضع حتى ربع جنين رغم مرور ستة عشر عاما علي زواجها الغير ميمون .. لا توجد عين حاسدة مثل عين العاقر !
هذا ما كانت الجدة تؤمن به ، وهذا عينه ما سبب خلافا كبيرا وعدة مشاحنات بين الحماة المتصلبة وبين زوجة ابنها ، التي ضاقت ذرعا بمعاملة حماتها السيئة لأختها ، وافتعالها المشاجرات التافهة معها ، لتفريغ كل ما تشعر به من كراهية لها وتشاؤم منها .. المهم أن الجمعة الثانية أتت وكان هناك سبب وجيه يعطي " مني " الحق في منع حماتها من اصطحاب الولدين إلي الخارج ، لكنها آثرت الاستسلام هذه المرة ، تجنبا للخلاف مع حماتها العنيدة ، وسمحت لها بأن تفعل ما تشاء .. وأخيرا تمكنت الجدة من تنفيذ رغبتها ، وفي ظهر الجمعة حملت الطفلين  ، بمساعدة أبيهما وعمهما " صابر " إلي ضريح الشيخ ( ذو النورين )4 الذي يسميه أهالي ( البلينا ) ( الشيخ دنور ) ، وبعد أن أدت الجدة صلاة الجمعة هناك في المسجد ، طلبت من احدي السيدات المتوليات خدمة المسجد بأن تساعدها في وضع الطفلين  تحت غطاء التابوت الخارجي لتحسيبهما ..
كانت الخادمة آتية من نفس المستوي الثقافي والفكري الذي جاءت منه جدة " أحمد " و" محمود " ، لذلك لم تستغرب طلب الجدة أو تندهش لطريقة تفكيرها .. كان الأمر أبسط مما أعتقد الجميع في الحقيقة .. وخلال دقائق كان كل شيء قد تم علي خير وجه .. وعادت الجدة ، ومعها ولديها ، بالطفلين التوأمين إلي البيت .. لتتلقفهما أمهما الملهوفة عليهما وهما يفارقاها للمرة الأولي منذ أن كحلت عينيها برؤيتهما منذ أسبوعين !
قامت الجدة بما تريده إذن وأنتهي الأمر ؟!
لا لم ينته الأمر .. فالأوان كان قد فات وفقد الطفلين جمعة أولي ثمينة بلا شك .. كان الأسبوع الثالث من حياة الطفلين قد بدأ عندما بدأت الأم تلاحظ أولي العلامات المريبة عليهما .. لاحظت لكنها لم تهتم ، ولم تصدق ، فلم تشأ أن تصدق .. الحقيقة أنه لا أحد في العائلة كلها ، خلا الجدة ، كان راغبا في أن يصدق الأمر .. والحقيقة فهم معذورون .. لأن الأمر كان ، ولا زال ، لا يُصدق !


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لويز بيت، دوقة الموت : السفاحة المبتسمة ! Louise Peete: Duchess of Death

  لويز بيت .. بدموعها خدعت قضاة ومحلفين ومحققين ! النشأة الأولي : سرقة وعهر : جنوح مبكر ! جاءت " لوفي لويز بريسلار إلي الحياة في يوم 20 سبتمبر 1880 ، في مدينة " بينفيل " بولاية لويزيانا الأمريكية لأب ثري يعمل ناشرا ولديه صحيفة خاصة .. وقد كان والداها مثقفين ومن الطراز المثالي ، ولكن الفتاة التي ألٌحقت بمدرسة خاصة في ( نيوأورليانز ) قد تم طردها من المدرسة وهي بعمر الخامسة عشرة لسببين هما : السرقة وسلوك مسلك غير أخلاقي .. فقد كانت الفتاة المثقفة الثرية تمتهن البغاء في أوقات الفراغ ! جنوح مبكر وعجيب وغير مبرر إطلاقا . وكانت " لويز " غاوية للرجال فلم تستطع أن تبقي بدونهم طويلا ، وعندما وصلت إلي سن الثالثة والعشرين ، أي في عام 1903 ، تزوجت من بائع متجول يدعي " هنري بوسلي " ، وبقيا معها ثلاث سنوات ، انتهت بأن أطلق الزوج النار على رأسه ! والسبب أنه وجد زوجته المصونة برفقة رجل آخر في الفراش ، فلما واجهها كلمته ببرود وسماجة ، وثبت أنها لا تشعر إطلاقا بجريمة الخيانة التي ارتكبتها .. وأمام برودها أحترق الزوج داخليا فلم يجد حلا يريحه سوي الانتحار ...

أكبر من أن يكون ملاكا !!

  لمعت نظرة مريبة في عينيها وهي تراقب الصغير يلهو أمامها ، لم تكن هي بدورها إلا صغيرة مثله ، طفلة لم تتعد أعوامها الإحدى عشرة ، ولم تقفز بعد فوق حاجز شرود الطفولة ونزق الطبيعة الثائرة ، التي تتمشي ف هوادة ، في العروق البارزة ، ملامح رقيقة ، لكن غموضها أضفي عليها طابعا يبعدها عن القلوب ولا يقربها ، كان لها رفاق بالطبع لكنهم كانوا رفاق ضراء لا سراء ، كل مهمتهم أن يوسعوا الصغيرة سخرية ، وأن يتهكموا عليها بكل ما أوتوا من قوة ، تنمر الأطفال الذي لا يدانيه في وحشيته وقسوته شيء .. وبدورها كانت " ماري " الصغيرة أكثر تنمرا وقسوة من رفاقها المشاكسين ، بيد أن الأمر كان مختلفا بالنسبة إليها ، كان الأطفال يكتفون بإلقاء الكلمات اللاذعة ،والسخريات المريرة ، والتعريض ببقع البول التي تلوث ملاءة السرير ، نشرتها أم " ماري " علنا ،معرضة بابنتها التي ( تفعلها ) في فراشها حتى الآن ، وربما تمادوا حتى مرحلة الإيذاء البدني البسيط ، رمي حجر أو قطعة حصى ، أو دس كسرات الزجاج الحادة في طريقها لكي تؤذيها ، كلمات جارحة وأفعال مؤذية ، لكنها لا تزال في مستوي ( الأفعال الطفولية ) ، مهما بلغت قسوتها ...

قضية " راشيل دوبكينز " The Murder of Rachel Dobkin.

  قضية قتل غريبة ومميزة اُرتكبت في خضم الحرب العالمية الثانية، والتي لم يتوقع أحد أن يتم الكشف عن مرتكبها نهائيا، بل ربما الجاني نفسه لم يتخيل أن القضية ستسجل كجريمة قتل عمد على الإطلاق . في البداية نقول أن الجاني كان ذكيا جدا، إذ أنتهز فرصة اشتداد الحرب العظمي الثانية، وازدياد عنف الغارات الألمانية على مدينة لندن، ليحاول اخفاء سر جريمته، التي أعتقد أنها يسوف تعتبر حالة وفاة ناجمة عن القصف الجوي، ولن تعلق به أية شبهة، تاريخيا تعرضت بريطانيا لسلسلة ممنهجة ومطردة من الغارات والهجمات الألمانية، التي ركزت جهودها على تدمير عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فبدأت القوات الجوية الألمانية من يوم 7 سبتمبر عام 1940 في قصف لندن في غارات منتظمة وكبيرة، مخلفة خسائر مهولة، وذلك تنفيذا لأوامر الفوهرر المتعلقة بذلك الأمر والتي صدرت قبلها بيوم واحد، وبلغ من عنف تلك الغارات وشدتها أنها تسببت فيما عرف بحريق لندن الثاني ( 29 ديسمبر 1940)، وقد بلغ من جسارة الألمان أنهم لم يتورعوا عن صب نيران طائراتهم على لندن حتى في وضح النهار، لكن وبداية من شهر نوفمبر 1940م أصبحت الغارات ليلية بشكل أساس...

الهفوة التي قضت على 22 مليون إنسان .. كيف أدي عناد رجل واحد إلي تحطيم العالم !!

  بعضُ الأخطاء التي وقعت كانت قدريةً بنسبة مائة في المائة, لم تكن ناجمة عن غباء أو خطأ في الإدراك لدى مقترفها, بل بشكل كامل هو تدبيرٌ من فعْل القضاء والقدر, وفي حالات معينة يكون هذا الخطأ سببًا ليس في دمارِ حياة إنسان ما وحسب, بل ربما- ولا سيَّما في حالتنا هذه- قد يكون سببًا في خراب العالم وتدمير حياة الملايين من الناس الأبرياء! أشهرُ هذه الأخطاء القدرية الصِّرفة هو الغلطة التي وقع فيها وليُّ عهد النمسا والمجر, الأميرُ المكروه الذي يتميز بالصَّلافة والغطرسة, وليّ العهد الذي وصلت إليه معضلةُ الوراثة دون انتظار, ولسبب جريمة غامضة وحادثة شهيرة حدثت لمن كان وريثًا شرعيًّا ومؤكدًا لعرش هذه الإمبراطورية, التي لم تعمِّر طويلًا, وحفل تاريخها بالمآسي والرزايا, واستكمالًا لتربُّص القدر بمملكة النمسا والمجر, وصلَ وليُّ العهد, الأرشيدوق "فرانز فرديناند" Archduke Franz Ferdinand 50 عامًا, وزوجته الأميرة "صوفي" Sophie , 46 عامًا, يوم 28 يونيو عام 1914م, إلى مدينة سراييفو, العاصمة الرسمية لإقليم البوسنة والهرسك, الذي كانت إمبراطورية النمسا تضع يدَها عليه, بمعنى أنَّ الزيارة كانت ...

القضية الغريبة ل " آلان روبيشو" ! The Mysterious Death of Allen Robicheaux

  بالرغم من أنَّ قصتنا هذه المرَّة لا تتضمن جريمةً بالمعنى المعروف, أي عدوان أو أذى من نوع ما يوقعه شخصٌ بشخص آخر؛ فإنها تضمَّنت لغزًا مروِّعًا احتاج لعشرين عامًا كاملة ليتم حلُّه, وتدميرًا لأسرة, وحياة بائسة لامرأة مسنَّة قضت نحبَها وهي لا تعرف أين زوجها, أو ماذا حصل له؟! إنَّ قضايا الاختفاء الغامض كثيرة, وتقريبًا تبدأ كلها بنفس الطريقة؛ يعود شخص ما إلى المنزل ليجد أحد أقاربه وقد اختفى, أو يخرج أحدهم في رحلة عملٍ أو نزهة ثمَّ ينقطع أثره, ولا يعرف أحدٌ أين ذهب. كان الشخص الذي اكتشفَ حالة الاختفاء هذه المرة هي الزوجة "لوسي ماي", سيدة في السبعينيات, تعيشُ في منزل بشارع فرانكلين/ جريتنا/ لوس أنجلوس, وكان من الواجب أن يكون زوجها "آلن روبيشو" Allen P. Robicheaux موجودًا بانتظارها يوم 15 ديسمبر 1973م عند عودتها من زيارة عائلية, لكنه لم يكن كذلك. انتظرت المرأة عودةَ زوجها لكنه لم يعدْ, لا في هذا اليوم, ولا فيما تلاه من أيام, فأينَ يمكن أن يكون الرجل ذو الثلاثة والسبعين عامًا قد اختفى؟! لم تكن هناك دلائلُ على حصول عنفٍ في المنزل, لا مذكرات تقول إنَّه ينوي مغادرة البيت لبضع...

معطف الحرب الأزرق ( قصة قصيرة )

    تسير وسطهم مرفوعة الرأس ، ترمق الطريق الملقي أمامها بنصف عين ، وعين ونصف عليهم .. كان مصيرها معروفا ونهايتها مكتوبة من قبل ، وقد تجرعتها ألوف النسوة قبلها .. خرجت من بيتها مرتدية آخر معطف عندها ، بلا قميص حقيقي تحته ، إنه صدر سترة أخيها وكمي زوجها الراحل ، المغدور الأول والمغدور الثاني ، القتيل الأول والقتيل الثاني ، من بين ألوف وملايين الأسماء .. ماذا كان اسميهما ؟! لعل أحدا لم يسأل هذا السؤال بينما كان يتم إلقائهما في حفرة ضحلة ، ورمي الجير فوق جثتيهما .. ولعلهما يرقدان في قبر واحد فقد ظلا دوما معا ! فقدت الأخ والزوج ، صديق الدم وصديق الرفقة والقلب ، صارت وحيدة وتهدمت المدينة فوق رأسها ، مثلما تهدم بيتها وسقط العالم مكوما فوق بعضه .. لماذا لا يموت الجميع في لحظة واحدة ؟! لماذا يبقي البعض ليدفن البعض ، ثم يلحق بهم بعد أوجاع وآلام ولحظات مريرة ، الجير الحي مخيف ، وطلقة في الرأس مخيفة ، لكن الوحدة وسط وحوش متربصة أكثر تخويفا وترهيبا ! هجر الجميع المدينة ، من بقي على قيد الحياة ، إن كان قد بقي أحد على قيد الحياة ، لا ينجو أحد من الحرب ، فيما عدا القتلى وحدهم ربما ، يعاين الأ...

الرجل الذي حول زوجته إلي نقانق !

  "لويزا بيكنيز"   Louisa Bicknese هي امرأةٌ أمريكية سيئةُ الحظ, في البداية بدَا وكأنها أكثرُ النساء حظًّا في العالم؛ إذْ تزوَّجت برجل مهاجر, ألماني الأصل, ورجلِ أعمال ثري, يملك أكبرَ مصنع للنقانق في شيكاغو. كان الزوج يدْعى "أدولف لوتجيرت" Adolph Louis Luetgert , وكان أرملَ معَ طفلين, تزوَّجته "لويزا" عام 1878م, وعاشا معًا حتى عام 1897م, حيث رزقَا بأربعة أطفال. كان للسيد "لوتجيرت" مصنعٌ شهير للنقانق, ولُقِّب بملك النقانق, لكن طباعه كانت سيئةً إلى حدٍّ ما, فقد كان عنيفًا تجاه زوجته, كما شوهِد ذاتَ مرَّة وهو يطاردها حاملًا مسدسًا. لكن على أي حال, ففي أوَّل أيام شهرِ مايو من ذلك العام خرجتِ الزوجة لزيارةِ أختها, وقال الأبُ ذلك لأطفاله حينما سألوا عنْ والدتهم في اليوم التّالي, غير أنَّ "لويزا" لم تعدْ من زيارة أختها مطلقًا. بدأتِ الشكوك والتساؤلات, ولاحقًا قامَ شقيق الزوجة المفقودة بالإبلاغ عن فقدانها. ثمَّ ظهرت أدلةٌ مقلقة حول تورُّط الزوج في مصاعبَ مالية, وعلاقته بأرملةٍ ثرية, مما دفع البعضَ إلى الاعتقاد بأنه تخلص من زوجته ليتزوَّج الأرم...

إلي جميع محبي القضايا الغامضة وغير المحلولة .

  إلي كل زوار ومتابعي المدونة الأعزاء : تم إنشاء مدونة رديفة، متخصصة في نشر القضايا الباردة، والتي بقيت بدون حل من جميع أنحاء العالم، ومن أزمان وعصور مختلفة .. وذلك هو رابطها لمن يحب إلقاء نظرة عليها . https://coldcases1.blogspot.com/ يسعدنا تلقي اقتراحاتكم .. أو طلب عرض قضايا معينة تثير اهتمامكم .