التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المتحولون ( رواية مسلسلة ) الفصل الثالث

 

كان الطفلين قد أتما ، بفضل الله ، شهرا من عمرهما السعيد وقد زاد وزنهما إلي 4،5كجم ، وهو وزن مثالي جدا ، كما زاد طول كل محترم فيهما إلي قرابة 53سم .. كان " أحمد " أطول بقليل من أخيه " محمود " ، لكنهما فيما عدا ذلك ، كان متطابقين تمام التطابق ويستحيل التمييز بينهما تماما .. من ناحيتها كانت " مني " تملك حسا أموميا متميزا جدا ، وكانت قادرة علي عكس الآخرين كلهم ، علي التمييز بين الطفلين ، ومعرفة أيهما " أحمد " وأيهما " محمود " ، دون حتى إدخال نقطة فارق الطول التي يعتمد عليها الباقون في التفريق بين التوأمين ، لكنه حس الأم الخاص جدا .. ونفس هذا الحس الأمومي هو الذي أنبأ " مني " بالأشياء الخاطئة التي بدأت تلاحظها ، فور حدوثها .. كان الطفلين بعمر شهر كما أسلفنا حين بدأت الأم الشابة تلاحظ شيئا غير اعتيادي ، إن صغيريها يكونان باردين جدا خلال فترة نومهما الليلية الطويلة .. إن الأطفال الرضع ينامون فترات طويلة ، ولا عجب في ذلك ، لكن الوالدة أحست أن ولديها ينامان فترات أطول مما ينبغي بطريقة مثيرة للقلق .. كانت " مني " حساسة جدا لأي شيء يمكن أن يصيب صغيريها العزيزين ، مع أن أمها طمأنتها بأن هذا طبيعي ، وأن الصغار الرضع ينامون كثيرا جدا لأنهم بحاجة إلي النوم و( النوم غذا للعيل )..

لكن الحماة كان لها رأي مختلف ، حينما سمعت عرضا من زوجة ابنها ، أن التوأمين كفا تقريبا عن الاستيقاظ ليلا طلبا للرضاع .. عبست وبسملت وحوقلت وبدأت في استجواب الشابة بمنتهي الدقة :

" ما بيصحوش أبدا بالليل ؟! "

ردت " مني " مهمومة ، فقد كان تخشي أن يكون الولدين مريضين أو ما شابه :

" قليل قوي يا ماما .. ومن يومين ما صحيوش بالليل أبدا رغم أنهم بيناموا بدري قوي ! "

" آه ! "

كانت " آه " هذه تعني للحماة الكثير وإن كانت لا تعني بالنسبة ل" مني " سوي كلمة عابرة :

" بيبقي شكلهم عامل إزاي وهما نايمين ؟! "

كان هذا سؤالا غريبا بالنسبة للأم فما معني كيف يكون شكلهما وهما نائمين ؟!

" زي شكل كل الأطفال وهما نايمين ! "

إجابة مقنعة بديهية ، لكنها لم تكن هي الإجابة المتوقعة من الجدة الصعيدية التي كان لديها في رأسها فهم مختلف لما ترويه زوجة ابنها عن فهم الآخرين .. ابتسمت الجدة بضيق وقالت :

" أنا عارفة ! أنا قصدي بيبقوا شكلهم إزاي وهما نائمين .. بيتحركوا كتير ولا ثابتين في مكانهم ؟ أوصفي لي الحال "

لم تفهم " مني " معزي لتلك المعلومات لتلك الأسئلة الغريبة لكنها مضت تصف للجدة شكل الطفلين وهما نائمين كما تراهما حينما تبقي بجوارهما فترة مطولة وهما غارقين في النوم :

" بيكونوا هادين جدا ومش بيتحركوا تقريبا .. بس ساعات بيتنفضوا قوي وبحركة سريعة مفاجئة بتخلي قلبي يوقع ! "

بسملت الجدة ثم أمرت زوجة ابنها في لهجة حازمة :

" متقربيش منهم كتير وأوعي تحاولي تصحيهم ! "

" ليه ؟! "

سألت الأم بحيرة وحق لها أن تسأل فردت الجدة بسرعة وحسم :

" متسأليش أصلك مش هتصدقي .. بس أعملي زي ما بقولك كده ! "

سكتت الأم علي مضض وإن اتخذت قرارا بينها وبين نفسها أن حماتها ، وجدة الطفلين ، مخرفة جاهلة لا تفهم شيئا .. والأفضل أن تحاول فهم ما يحدث لولديها بالضبط وعدم ترك الأمر لخرافات الجدة وشعوذتها البدائية !

................................

في ذلك المساء وعند حوالي الساعة العاشرة مساء أخلد الطفلين لنوم عميق بعد رضعه متينة من أمهما التي يدر لبنها الكثير بشكل جيد جدا كافي لغذاء الطفلين ، وتغيير الحفاضات المبتلة بأخرى نظيفة وجافة تماما .. نام الطفلين في فراشيهما الصغيرين المتقاربين والشبع واضح علي ملامحهما الصغيرة السعيدة .. ظلت الأم بجوارهما فترة كافية للاطمئنان علي غرقهما في بحر السبات العميق ، ورغم أنهما ينامان في غرفة الأبوين منذ ولادتهما ، إلا أن الأم لم تكن تمل من البقاء بجانب فراشيهما حتى وهما معها في غرفتها طوال الوقت .. نام الطفلين إذن وفي حوالي العاشرة والربع غادرت الأم الغرفة وذهبت لتعد لنفسها كوبا من اللبن الساخن .. كان " حمدي " يعمل نوبة مسائية في تلك الليلة في المطحن ولا يعود إلا في تباشير الصباح ، مما يعني أنها حرة لكي تنام وقتما تشاء ، لكن عليها أن تكون مستيقظة مبكرا لتكون في انتظاره واستقباله وتعد له طعاما يأكله قبل أن يدخل فراشه ليستريح من تعب العمل ، واللبن دائما يساعدها علي الهدوء والنوم .. نزلت " مني " السلم ببطء متوجهة إلي الدور الأرضي من بيت العائلة الذي يقيمون كلهم فيه .. كان لديها مطبخا صغيرا في شقتها بالأعلى ، لكنها كانت تؤثر أن تصنع بعض الأشياء الخفيفة في مطبخ حماتها ، مطبخ العائلة ، لتحببها فيها وتتقرب منها كما نصحتها أمها ( الأريبة المجربة ) ..

كان البيت بأسفل هادئا لكن ليس تماما ، فالحماة والرجل الكبير ، الجد والد " حمدي " ، يؤويان إلي فراشهما مبكرا كما هي عادة المسنين .. أما أخوة زوجها فالأولاد يسهرون خارج البيت ، في المقهى أو بيوت بعض أصدقائهم أو أمام دكان أحد الأقارب ، ولا يعودون إلي البيت قبل أن يبدأ النوم في مهاجمة حصونهم بالفعل .. أما شقيقة زوجها " صفاء " ، فكانت تحب أن تبقي في غرفتها لتقضي المساء علي اللاب توب الخاص بها تحادث صديقاتها أو تعمل شات علي الفيسبوك .. ذهبت مني إلي المطبخ المظلم فأنارته وبدأت في البحث عن اللبن الطازج في الثلاجة ، وإعداد كوب شوب كبير ووضع السكر به كما تحبه .. وخلال خمس دقائق كانت تحمل كوب لبن ساخنا يتصاعد منه البخار المحبب موضوع علي صينية صغيرة ، لتأخذه وتصعد به إلي شقتها بأعلى وتشربه هناك بجوار ولديها .. لكن عندما غادرت " مني " المطبخ وتقدمت نحو السلم فوجئت بشيء غريب .. قطة صغيرة جدا تزوم بجوار السلم !

وجود قطط هنا في حد ذاته ليس شيئا مستهجنا ، فالبيت يعج بالقطط التي تقتنيها الحاجة ، لتنظيف البيت من الفئران والأبراص و( الدابي )5 كله ، أو التي تتطفل علي البيت من السطح ، أو سطوح الجيران العامرة بأسراب القطط .. لكن تلك القطة الصغيرة كانت غريبة جدا وهذه أول مرة تراها " مني " هنا !

لم تخف من القطة الصغيرة بالطبع لكنها أحست بالشفقة عليها .. قطة صغيرة كهذه يجب أن تكون مع قطيطات أخري في حضن أمهم الدافئ يرضعون من أثدائها المتعددة لا أن تبقي تحت هذا السلم ترتعش من البرد !

نظرت " مني " من أعلي بريب نحو القطة ثم قالت لها بلطف :

" بس .. بس ! "

انكمشت القطة الصغيرة قليلا وتراجعت إلي الخلف فكررت " مني " محاولة جعلها تنصرف وتذهب لأمها :

" بس بس .. أمشي .. يلا أمشي ! "

لكن القطة لم تمشي .. بل انكمشت علي نفسها بشكل مثير للشفقة حتى تحولت لكرة صغيرة ملتفة حول نفسها بذعر ..

حدقت فيها " مني " للحظة ثم ضحكت .. وبدأت تصعد نحو شقتها وفي يدها كوب اللبن لتشربه قبل أن يبرد !

لكنها عندما وصلت إلي شقتها وجدت شيئا غريبا .. باب الشقة مفتوح رغم أنها تأكدت من غلقه قبل أن تهبط إلي الدور الأرضي !

لم تكن الفتحة واسعة .. بالأحرى كانت شقا صغيرا مفتوحا في الباب لكنه أثار حيرة " مني " .. لقد أغلقته بنفسها ، بدون الترباس ، لكنه مفتوح الآن مع أنه ليس بالشقة أحد ليقوم بذلك !

نظرت " مني " حولها للحظة لكن الأمر لم يكن بالغ الخطورة :

" باين نسيت أسحب الباب كويس لما قفلته ! "

هذا هو الحل الأكيد أنها تركت الباب ( مهوي )6 لذلك دفعه الهواء القوي فأنفتح فيه ذلك الشق الصغير .. لكن يبدو أن الهواء كان أقوي مما يجب لأنه أيضا فتح شقا صغيرا آخر في غرفة النوم .. فباب الأخيرة كان مفتوحا فتحة صغيرة هو الآخر !

جرت الأم سريعا ، حتى أن بعض اللبن أنسكب من الكوب المليء به وطرطش علي الصينية ، وسارعت بفتح باب غرفة النوم والدخول .. ثم أغلقت الباب خلفها بعناية وقوة !

المصيبة أن يكون الهواء البارد قد تسرب من شقوق البابين المتتاليين ونفذ إلي الطفلين النائمين في الدفء بالداخل .. أو يكون قد أيقظهما أو حتى لو كانا قد شعرا ببرودة الهواء النافذ !

لكن الحمد لله فالولدين كانا نائمين بعمق .. صحيح أن ثمة رفة هواء باردة تسللت للغرفة لكن لا بأس .. فهما مغطيان جيدا وحولهما كومة من بطانيات وأغطية الأطفال الثقيلة ..

مالت " مني " بجانبها ، وهي تحافظ علي استواء كوب اللبن فوق الصينية بيديها ، وبدأت تتأكد من استغراق الطفلين في النوم ودفئهما .. وكان الفراشين حولهما دافئين تماما ، حتى كادا يكونا ساخنين ، و" محمود " دافئ الجسد تماما .. لكن " أحمد " كان باردا جدا !

لمسته أمه بطرف يدها ثم ارتسمت علي وجهها علامات الحيرة والغضب من نفسها .. لابد أنها نسيت البابين خلفها مفتوحين فتسلل الهواء الشتوي البارد إلي الولدين في مهديهما الدافئين وتسبب في تبريدهما .. لكن أحدهما فقط هو البارد بينما الآخر دافئا تماما مع أن الهواء تسرب لكليهما في نفس الوقت !

أليس هذا شيئا غريبا ؟!

لم يكن شيئا غريبا بالطبع .. مقارنة بما وقع بعد لحظة .. فعندما استدارت " مني " متجهة إلي سريرها وذهبت ووضعت صينية اللبن علي الكومودينو فوجئت بسماع صوت باب الغرفة وهو ينفتح ببطء .. نظرت خلفها سريعا فوجدت أن الشق الصغير في الباب قد فُتح مرة أخري .. هرعت لتغلقه بسرعة ثم عادت لتعيد الاطمئنان علي الصغيرين .. كان ما يزالا نائمين بعمق وهما يتنفسان بانتظام .. لكن " محمود " كان قد لحق بأخيه وأصبح بارد البشرة جدا بدوره !

5 الدابي : كلمة تطلق في الصعيد علي كل أنواع الهوام والحشرات وحتى الفئران والعقارب والثعابين

6 مهوي : به فتحات أو شقوق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لويز بيت، دوقة الموت : السفاحة المبتسمة ! Louise Peete: Duchess of Death

  لويز بيت .. بدموعها خدعت قضاة ومحلفين ومحققين ! النشأة الأولي : سرقة وعهر : جنوح مبكر ! جاءت " لوفي لويز بريسلار إلي الحياة في يوم 20 سبتمبر 1880 ، في مدينة " بينفيل " بولاية لويزيانا الأمريكية لأب ثري يعمل ناشرا ولديه صحيفة خاصة .. وقد كان والداها مثقفين ومن الطراز المثالي ، ولكن الفتاة التي ألٌحقت بمدرسة خاصة في ( نيوأورليانز ) قد تم طردها من المدرسة وهي بعمر الخامسة عشرة لسببين هما : السرقة وسلوك مسلك غير أخلاقي .. فقد كانت الفتاة المثقفة الثرية تمتهن البغاء في أوقات الفراغ ! جنوح مبكر وعجيب وغير مبرر إطلاقا . وكانت " لويز " غاوية للرجال فلم تستطع أن تبقي بدونهم طويلا ، وعندما وصلت إلي سن الثالثة والعشرين ، أي في عام 1903 ، تزوجت من بائع متجول يدعي " هنري بوسلي " ، وبقيا معها ثلاث سنوات ، انتهت بأن أطلق الزوج النار على رأسه ! والسبب أنه وجد زوجته المصونة برفقة رجل آخر في الفراش ، فلما واجهها كلمته ببرود وسماجة ، وثبت أنها لا تشعر إطلاقا بجريمة الخيانة التي ارتكبتها .. وأمام برودها أحترق الزوج داخليا فلم يجد حلا يريحه سوي الانتحار ...

أكبر من أن يكون ملاكا !!

  لمعت نظرة مريبة في عينيها وهي تراقب الصغير يلهو أمامها ، لم تكن هي بدورها إلا صغيرة مثله ، طفلة لم تتعد أعوامها الإحدى عشرة ، ولم تقفز بعد فوق حاجز شرود الطفولة ونزق الطبيعة الثائرة ، التي تتمشي ف هوادة ، في العروق البارزة ، ملامح رقيقة ، لكن غموضها أضفي عليها طابعا يبعدها عن القلوب ولا يقربها ، كان لها رفاق بالطبع لكنهم كانوا رفاق ضراء لا سراء ، كل مهمتهم أن يوسعوا الصغيرة سخرية ، وأن يتهكموا عليها بكل ما أوتوا من قوة ، تنمر الأطفال الذي لا يدانيه في وحشيته وقسوته شيء .. وبدورها كانت " ماري " الصغيرة أكثر تنمرا وقسوة من رفاقها المشاكسين ، بيد أن الأمر كان مختلفا بالنسبة إليها ، كان الأطفال يكتفون بإلقاء الكلمات اللاذعة ،والسخريات المريرة ، والتعريض ببقع البول التي تلوث ملاءة السرير ، نشرتها أم " ماري " علنا ،معرضة بابنتها التي ( تفعلها ) في فراشها حتى الآن ، وربما تمادوا حتى مرحلة الإيذاء البدني البسيط ، رمي حجر أو قطعة حصى ، أو دس كسرات الزجاج الحادة في طريقها لكي تؤذيها ، كلمات جارحة وأفعال مؤذية ، لكنها لا تزال في مستوي ( الأفعال الطفولية ) ، مهما بلغت قسوتها ...

قضية " راشيل دوبكينز " The Murder of Rachel Dobkin.

  قضية قتل غريبة ومميزة اُرتكبت في خضم الحرب العالمية الثانية، والتي لم يتوقع أحد أن يتم الكشف عن مرتكبها نهائيا، بل ربما الجاني نفسه لم يتخيل أن القضية ستسجل كجريمة قتل عمد على الإطلاق . في البداية نقول أن الجاني كان ذكيا جدا، إذ أنتهز فرصة اشتداد الحرب العظمي الثانية، وازدياد عنف الغارات الألمانية على مدينة لندن، ليحاول اخفاء سر جريمته، التي أعتقد أنها يسوف تعتبر حالة وفاة ناجمة عن القصف الجوي، ولن تعلق به أية شبهة، تاريخيا تعرضت بريطانيا لسلسلة ممنهجة ومطردة من الغارات والهجمات الألمانية، التي ركزت جهودها على تدمير عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فبدأت القوات الجوية الألمانية من يوم 7 سبتمبر عام 1940 في قصف لندن في غارات منتظمة وكبيرة، مخلفة خسائر مهولة، وذلك تنفيذا لأوامر الفوهرر المتعلقة بذلك الأمر والتي صدرت قبلها بيوم واحد، وبلغ من عنف تلك الغارات وشدتها أنها تسببت فيما عرف بحريق لندن الثاني ( 29 ديسمبر 1940)، وقد بلغ من جسارة الألمان أنهم لم يتورعوا عن صب نيران طائراتهم على لندن حتى في وضح النهار، لكن وبداية من شهر نوفمبر 1940م أصبحت الغارات ليلية بشكل أساس...

الهفوة التي قضت على 22 مليون إنسان .. كيف أدي عناد رجل واحد إلي تحطيم العالم !!

  بعضُ الأخطاء التي وقعت كانت قدريةً بنسبة مائة في المائة, لم تكن ناجمة عن غباء أو خطأ في الإدراك لدى مقترفها, بل بشكل كامل هو تدبيرٌ من فعْل القضاء والقدر, وفي حالات معينة يكون هذا الخطأ سببًا ليس في دمارِ حياة إنسان ما وحسب, بل ربما- ولا سيَّما في حالتنا هذه- قد يكون سببًا في خراب العالم وتدمير حياة الملايين من الناس الأبرياء! أشهرُ هذه الأخطاء القدرية الصِّرفة هو الغلطة التي وقع فيها وليُّ عهد النمسا والمجر, الأميرُ المكروه الذي يتميز بالصَّلافة والغطرسة, وليّ العهد الذي وصلت إليه معضلةُ الوراثة دون انتظار, ولسبب جريمة غامضة وحادثة شهيرة حدثت لمن كان وريثًا شرعيًّا ومؤكدًا لعرش هذه الإمبراطورية, التي لم تعمِّر طويلًا, وحفل تاريخها بالمآسي والرزايا, واستكمالًا لتربُّص القدر بمملكة النمسا والمجر, وصلَ وليُّ العهد, الأرشيدوق "فرانز فرديناند" Archduke Franz Ferdinand 50 عامًا, وزوجته الأميرة "صوفي" Sophie , 46 عامًا, يوم 28 يونيو عام 1914م, إلى مدينة سراييفو, العاصمة الرسمية لإقليم البوسنة والهرسك, الذي كانت إمبراطورية النمسا تضع يدَها عليه, بمعنى أنَّ الزيارة كانت ...

معطف الحرب الأزرق ( قصة قصيرة )

    تسير وسطهم مرفوعة الرأس ، ترمق الطريق الملقي أمامها بنصف عين ، وعين ونصف عليهم .. كان مصيرها معروفا ونهايتها مكتوبة من قبل ، وقد تجرعتها ألوف النسوة قبلها .. خرجت من بيتها مرتدية آخر معطف عندها ، بلا قميص حقيقي تحته ، إنه صدر سترة أخيها وكمي زوجها الراحل ، المغدور الأول والمغدور الثاني ، القتيل الأول والقتيل الثاني ، من بين ألوف وملايين الأسماء .. ماذا كان اسميهما ؟! لعل أحدا لم يسأل هذا السؤال بينما كان يتم إلقائهما في حفرة ضحلة ، ورمي الجير فوق جثتيهما .. ولعلهما يرقدان في قبر واحد فقد ظلا دوما معا ! فقدت الأخ والزوج ، صديق الدم وصديق الرفقة والقلب ، صارت وحيدة وتهدمت المدينة فوق رأسها ، مثلما تهدم بيتها وسقط العالم مكوما فوق بعضه .. لماذا لا يموت الجميع في لحظة واحدة ؟! لماذا يبقي البعض ليدفن البعض ، ثم يلحق بهم بعد أوجاع وآلام ولحظات مريرة ، الجير الحي مخيف ، وطلقة في الرأس مخيفة ، لكن الوحدة وسط وحوش متربصة أكثر تخويفا وترهيبا ! هجر الجميع المدينة ، من بقي على قيد الحياة ، إن كان قد بقي أحد على قيد الحياة ، لا ينجو أحد من الحرب ، فيما عدا القتلى وحدهم ربما ، يعاين الأ...

القضية الغريبة ل " آلان روبيشو" ! The Mysterious Death of Allen Robicheaux

  بالرغم من أنَّ قصتنا هذه المرَّة لا تتضمن جريمةً بالمعنى المعروف, أي عدوان أو أذى من نوع ما يوقعه شخصٌ بشخص آخر؛ فإنها تضمَّنت لغزًا مروِّعًا احتاج لعشرين عامًا كاملة ليتم حلُّه, وتدميرًا لأسرة, وحياة بائسة لامرأة مسنَّة قضت نحبَها وهي لا تعرف أين زوجها, أو ماذا حصل له؟! إنَّ قضايا الاختفاء الغامض كثيرة, وتقريبًا تبدأ كلها بنفس الطريقة؛ يعود شخص ما إلى المنزل ليجد أحد أقاربه وقد اختفى, أو يخرج أحدهم في رحلة عملٍ أو نزهة ثمَّ ينقطع أثره, ولا يعرف أحدٌ أين ذهب. كان الشخص الذي اكتشفَ حالة الاختفاء هذه المرة هي الزوجة "لوسي ماي", سيدة في السبعينيات, تعيشُ في منزل بشارع فرانكلين/ جريتنا/ لوس أنجلوس, وكان من الواجب أن يكون زوجها "آلن روبيشو" Allen P. Robicheaux موجودًا بانتظارها يوم 15 ديسمبر 1973م عند عودتها من زيارة عائلية, لكنه لم يكن كذلك. انتظرت المرأة عودةَ زوجها لكنه لم يعدْ, لا في هذا اليوم, ولا فيما تلاه من أيام, فأينَ يمكن أن يكون الرجل ذو الثلاثة والسبعين عامًا قد اختفى؟! لم تكن هناك دلائلُ على حصول عنفٍ في المنزل, لا مذكرات تقول إنَّه ينوي مغادرة البيت لبضع...

الرجل الذي حول زوجته إلي نقانق !

  "لويزا بيكنيز"   Louisa Bicknese هي امرأةٌ أمريكية سيئةُ الحظ, في البداية بدَا وكأنها أكثرُ النساء حظًّا في العالم؛ إذْ تزوَّجت برجل مهاجر, ألماني الأصل, ورجلِ أعمال ثري, يملك أكبرَ مصنع للنقانق في شيكاغو. كان الزوج يدْعى "أدولف لوتجيرت" Adolph Louis Luetgert , وكان أرملَ معَ طفلين, تزوَّجته "لويزا" عام 1878م, وعاشا معًا حتى عام 1897م, حيث رزقَا بأربعة أطفال. كان للسيد "لوتجيرت" مصنعٌ شهير للنقانق, ولُقِّب بملك النقانق, لكن طباعه كانت سيئةً إلى حدٍّ ما, فقد كان عنيفًا تجاه زوجته, كما شوهِد ذاتَ مرَّة وهو يطاردها حاملًا مسدسًا. لكن على أي حال, ففي أوَّل أيام شهرِ مايو من ذلك العام خرجتِ الزوجة لزيارةِ أختها, وقال الأبُ ذلك لأطفاله حينما سألوا عنْ والدتهم في اليوم التّالي, غير أنَّ "لويزا" لم تعدْ من زيارة أختها مطلقًا. بدأتِ الشكوك والتساؤلات, ولاحقًا قامَ شقيق الزوجة المفقودة بالإبلاغ عن فقدانها. ثمَّ ظهرت أدلةٌ مقلقة حول تورُّط الزوج في مصاعبَ مالية, وعلاقته بأرملةٍ ثرية, مما دفع البعضَ إلى الاعتقاد بأنه تخلص من زوجته ليتزوَّج الأرم...