كان اليوم التالي يوم أربعاء وهذا كان يعني في عرف العائلة شيئا واحدا .. إنه يوم الخبيز وإعداد الخبز الطازج .. كانت " مني " وخلال أعوام زواجها القليلة قد تمرست في إعداد الخبز الصعيدي الشمسي الجميل المغذي .. وحتى عملية العجين نفسها أتقنتها بشكل مرضي تماما لحماتها العتيدة .. لكن " أم حمدي " لم تكن تحب إسناد مهمة العجن لأحد سوي لنفسها أو لابنتها صفاء ، باعتبار أن بقية نسوة العالم هن سيدات واقعات محلولات7 لا يعرفن أصول العجن والخبز ويفشلن دائما في ( تمليك العجين )8 كما يجب فيخرج من أيديهن سائب لا يصلح لخبز أرغفة مكينة تملأ العين .. لذلك فكان يتوجب علي " صفاء " أن تستيقظ مبكرا صباح كل أربعاء ، لتعاون أمها في إعداد لوازم الخبز .. في البداية كانت الفتاة تصعد إلي السطح لتكنسه وتنظفه ثم تفرشه بقطع كبيرة من الشكائر المخيطة الموصلة ببعضها ، ثم تقوم بترحيل المقارص9 ، أي تغطية سطحها بطبقة رقية من الردة لئلا يلتصق بها العيش الطري بعد تقطيعه ووضعه عليها .. ثم تنزل لتجد أمها قد قامت بالفعل بتسخين الماء اللازم وإعداد العصيدة ، لتنتظر بعدها دقائق ريثما تبرد العصيدة ثم تجلس إلي ( الماجور )10 الضخم وتبدأ في عملية العجن .. كل هذه الخطوات الرتيبة المحفوظة كانت تتكرر كل صباح أربعاء بنظام رتيب لا تحيد الحاجة " أم حمدي " عنه بتاتا .. أما بالنسبة ل" مني " فقد كانت قد أعفيت من تلك المهام منذ لحظة اكتشاف حملها وقبل ولادتها للتوأم " أحمد " و" محمود " ، وبعد الولادة كذلك تسامحت معها حماتها مراعاة لسهرها طوال الليل بالطفلين المزعجين اللذين لا يكفان عن الاستيقاظ ليلا للرضاعة أو لتغيير الحفضات أو خلافه .. وكامرأة معفاة من متاعب الخبيز الشاقة وغير ملزمة ، لفترة مؤقتة ، بها كان بوسعها أن تبقي مستريحة لساعة متأخرة أو حتى استيقاظ رضيعيها من نومهما العميق .. لكن " مني " كانت قلقة ، قلقة للغاية ، فلم تستطع أن تنام جيدا .. وبعد صعود " صفاء " إلي السطح للقيام بمهامها هناك ، نزلت زوجة أخيها إلي الدور الأرض حيث كانت الحماة تستعد لتسخين الماء من أجل العصيدة .. ذهبت " مني " إلي حماتها وحيتها تحية الصباح :
" صباح الخير يا ماما ! "
ردت الحماة علي الفور والابتسامة تعلو وجهها :
" يسعد صباحك يا أمي11 .. مالك صاحية بدري ليه العيال عيانين ولا أيه ؟! "
ردت " مني " ومعالم القلق ظاهرة بشدة علي وجهها :
" لا الحمد لله كويسين ! "
" آمال مالك كفا الله الشر .. شكلك مهمومة ؟! "
" أصل العيال بقا شكلهم غريب اليومين دول يا ماما .. معرفش مالهم ؟! "
انتبهت الجدة لكلام زوجة ابنها وقالت وقد نسيت إشعال البوتاجاز لتسخين المياه :
" شكلهم غريب إزاي يعني ؟ عيانين ؟ "
" لا لا كويسين .. بس بيفضلوا طول الليل نايمين ومش بيصحوا يرضعوا ولا مرة ! "
" ما يمكن بيصحوا يا بنتي وأنت مابتسمعيهمش .. بتروح عليكي نومة ؟ "
" لا إله إلا الله .. أهو ده اللي كنت خايفة منه ! "
" اللي هو أيه يا ماما ؟! "
تصعبت الجدة ومصمصت بشفتيها وأجابت :
" ما قولنا نحسب العيال من أول ما أتولدوا قولتوا لا مفيش حاجة زي كده .. وقولتوا خرافات وتخاريف وضحكتوا أهو هو ده اللي كنت بقول عليه ! "
" مش فاهمة ! "
هنا عادت " صفاء " من فوق السطوح بعد أن انتهت من تنظيفه وترتيبه وتتفيل المقارص12 فوجدت أمها وزوجة أخيها تتبادلان حديثا جادا ووجدت شيء غريب .. إن أمها واقفة بجوار الموقد وسطل 13 الماء موضوع فوقه ممتلئ بالماء لكن الموقد تحته مطفئ .. طبعا كان واضحا أن الأم قد نسيت إشعال الموقد تحت الماء وهذا لم يحدث من قبل أبدا ، لكن كان واضحا أن الأم قلقة جدا :
" صباح الخير يا مني ! "
حيت " صفاء " زوجة أخيها فردت عليها الأخيرة ببال شارد :
" يسعد صباحك يا " صفاء " تأمريش بحاجة أساعدك فيها ؟ "
كانت " مني " تعرض خدماتها التي طالما قدمتها في الخبيز قبل حملها وولادتها لكن " صفاء ردت عليها بابتسامة صافية :
" فيكي الخير يا أختي .. روحي أنت بس ريحي شوية إحنا هنعمل كل حاجة .. تلاقي العيال مش بيخلوكي تنامي الليل كله ! "
لم تكن " صفاء " علي علم بالتطورات الأخيرة التي يمر بها ولدي أخيها ولا بتفسيرات أمها الخرافية بشأنها :
" لا والله يا " صفاء " .. دول مبقوش بيصحوا بالليل خالص "
" خير وبركة .. أحسن خليكي تنامي وترتاحي "
ردت صفاء ببال خالي لكن أمها التي انتبهت لخطأها وأخذت تبحث عن علبة الثقاب لتشعل الموقد تحت سطل الماء :
" بس يا بت .. أنت أيش فهمك أنت ؟ دي مصيبة أن عيال بترضع يفضلوا طول الليل نايمين "
ضحكت " صفاء " وشوحت بذراعيها في مرح وقالت :
" يا ساتر يا رب .. غاويين تعب أنتوا ! طيب يا أختي ما تزعليش يا رب ما يخلوكي تغمضي طول الليل عشان ترتاحي "
كانت " صفاء " تمزح بالطبع وكانت " مني " تعرف ذلك ، إلا أن الهم الذي تعاني منه جعلها لا تجيد الرد علي مداعبة سلفتها لها ، أما الأم فنهرت ابنتها المتعالمة قائلة :
" طيب روحي يا أختي أغسلي دراعاتك عشان تعجني .. الميه قربت تسخن "
ولم تكن هذه هي الحقيقة ، فالمياه كان أمامها فترة حتى تبدأ في الفوران ، لكن الأم كانت راغبة في صرف ابنتها و( زحلقتها ) بأي حجة حتى تتبادل الحديث مع زوجة ابنها دون مقاطعة :
" بصي يا بنتي .. النهاردة بعد الضهر نكون خلصنا خبيز هاخدك وناخد العيلين ونروح بيهم للشيخ " محمود " عشان يرقيهم ويحسبهم وإن شاء الله هيبقوا بخير .. معلش أصل كله لأننا أتأخرنا في تحسيبهم بعد ما أتولدوا علي طول .. ما قلتلكم محدش سمع كلامي ! "
المفارقة هنا أن الحماة كانت تعتقد أن ما يحدث هو انتصار لنظريتها في أن التوءمين يتحولان لقطط ليلا وتنسل روحيهما من جسديهما لتتسكع علي شكل هرر صغيرة .. لكن الحقيقة أن زوجة الابن ، وأم الولدين ، لم تكن تصدق حرفا من كل ما تدعيه الجدة وكانت ببساطة تعتقد أن الولدين ليس بهما شيء إلا إنهما مريضين .. فقط !
وعلى الناحية الأخرى كانت الجدة ( البحراوية )14 والدة " مني " تشارك ابنتها في رأيها وتعتقد جازمة أن الأمر لا يعدو طفلين مريضين أو هداهما الله ومن عليهما بنعمة النوم الطويل والهدوء .. ما الذي يزعج ابنتها في هذا الأمر ؟!
لم تستطع جدة " أحمد " و" محمود " الثانية أن تفهم ذلك .. لكنها أظهرت مشاركتها لابنتها في مخاوفها على ولديها الغاليين نور عينيها ، وقلقها عليهما ، ونصحتها ببساطة بعرضهما على طبيب أطفال شاطر .. عله يشخص علتهما ، إن وجدت ، ويعالجهما ليصيرا بعد ذلك في خير حال !
المشكلة الحقيقية أن الطفلين كانا بالفعل في خير حال .. وما كانا بحاجة إلى طبيب أو غيره .. ولا أحد يعرف إن كان قد ألم بهما شيء غريب حقا يحدث معهما .. أم أن إيحاءات الجدة الصعيدية وخوارقها التي تؤمن بها هي التي سببت كل هذه الأوهام ل" مني " المسكينة ؟!
إنها تظل أوهام حتى اللحظة .. وحتى تتحقق المخاوف ، أو تخيب الظنون ، وليتها تخيب ، يظل الأمر مجرد وهم .. لكن أي وهم لابد له من فجر ساطع يضيء ظلامه فيثبت كذبه .. أو يدلل على صدقه !
وقد جاء الفجر هنا سريعا .. سريعا جدا وباهرا جدا !
7 محلولات : ضعيفات خائرات ومفتقدات للقوة
8 تمليك العجين : خبزه وتقليبه جيدا حتى يكون هشا متجانسا دون كتل صغيرة من الدقيق
9 ترحيل المقارص : تغطية احد سطحيها بطبقة رقيقة من الردة والمقارص أجسام دائرية تصنع من الخشب أو الورق المعجون ببعضه أو خثاء البقر قديما ويستخدم لوضع أرغفة الخبز بعد تقطيعها وقبل خبزها عليها
10 الماجور : إناء كبير يصنع من الألمونيوم ويستخدم في عجن الخبز داخله ينتشر في بيوت الصعيد غالبا
11 أمي : كلمة تقولها الأم أو المرأة الكبيرة لمن هم أصغر منها في الصعيد ويختلف نطقها عن نطق كلمة " أمي " العادية في أنها تنطق بمد الألف وبدون ضم أي حرف من حروفها
12 : تتفيل وترحيل المقارص نفس المعني
13 : سطل إناء يستخدم لوضع المياه أو تسخينها وغالبا ما يكون وعاء سمن فارغ
14 : كل من يأتي من شمال مصر أو من الوجه البحري
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق