تسللت بسرعة في دياجير الظالم المتكاثفة حولها .. بخفة جنسها السنوري15 المتسلل ، تنسل تحت أجنحة الليل لتأوي إلي جحرها البشري الصنع وتحتوي صغارها في حضنها .. صغارها الذين تركتهم ثلاثة ، وذهبت لتصيد رزقا يسيرا تقتات به لتدر لهم حليبا ، فعادت لتجدهم أصبحوا أربعة !
كان الفأر النحيل متدليا من رقبته المقصوفة بين أنيابها المسنونة وذيله ، الذي هو أكبر ما فيه ، يجرجر على الأرض بينما هي تسحبه إلي عشها لتأكله على كثب من صغارها ، لتعلمهم أولي مبادئ الصيد في الحياة الليلية الحافلة القاسية .. ثم ترقد على جانبها بعد ذلك وتباعد ساقيها لتمنح الصغار الجائعة فرصة الهجوم على أثدائها العامرة وارتشاف الحليب ، المحلي بالحب ، منها .. لكن القطة الصيادة عادت لتجد دخيلا وسط هررتها الصغيرة المتكومة فوق بعضها طلبا للدفء والأمان في غياب الأم التي هي وحدها تمنحهم الدفء والأمان .. لكن كيف تسلل ذلك الدخيل الآثم إذن ؟!
كشرت الأم عن أنيابها تاركة فريستها المجهز عليها تسقط من بين فكيها ، وهمت بالفتك بذلك الدخيل الصغير المشاكس .. ولم يكن الدخيل سوي قطيطة صغيرة أخري خفيفة الفراء كصغارها أندست وسط الأبناء المعترف بهم طلبا للدفء والأمان .. كانت القطيطة المسكينة ترتجف رعبا ، ويبدو عليها أنها تعاني الجوع أيضا .. هناك فأر معد للشواء وأثداء عامرة بالحليب .. جميل .. لكن أين أم تلك اللقيطة ولم تركتها تهيم فوق الأسطح الغريبة في صقيع الشتاء !
هجمت الأم فورا علي الدخيلة .. الدخيل كما تبين من رائحته بعد ذلك .. وكشرت عن أنيابها ثانية على سبيل التأكيد على إصرارها على طرده من العش المخبأ وسط أجولة الدقيق الخالية الممزقة أو المليئة بالرمال والطوب في عشة الطيور المتهاوية الخاوية ، لكن القطيطة اللقيطة كانت حصيفة ، رغم صغرها ، فقد أسرعت لتختبئ وسط القطط الشرعية نازعة من القطة الأم الحق في خربشتها وعضها وطردها خارج الجحر ، لأن إقدام الأم على خوض معركة مع هذا الوضع غير السليم سيتضمن مخاطرة بتعرض صغارها للأذى .. انتكست القطة الأم للحظة وأخذت تحدق بعينين مضيئتين قادحتين في الصغيرة الدخيلة ولولا أنها سنورية مسكينة لا تملك لسانا بشريا ذربا لصاحت بغيظ :
" أيه يا أختي البلاوي اللي بتتحدف علينا دي ؟! "
لكن البلوى التي أنحدفت على القطة الأم تلك الليلة كانت صعبة المراس كما يبدو ، والغريب أن القطط الصغيرة سارعت توسع مكانا وسطها للقطة الدخيلة وتخبئها بينها وكأنها تعلن للأم أنها تفرض حمايتها عليها .. فوجئت القطة الأم بتلك الفعلة وكشرت عن أنيابها بصورة أوضح تلك المرة وهجمت على الكومة المشكلة من أربعة قطيطات مرتجفة مثيرة للشفقة وشتت شمل صغيراتها برفق ومن ثم صارت الدخيلة بلا حماية من أي نوع .. فأمسكتها الأم بين أنيابها من رقبتها لتصبح بعد لحظة متدلية من الفم المفترس مثلما كان الجرذ الصغير منذ لحظة وحملتها وقذفتها خارجا .. أصبحت القطة الصغيرة المرتجفة أمام العشة في الظلام البارد والجوع يلوي أمعائها الفارغة .. وقفت الصغيرة لبرهة لعلها تستدر شفقة القطة الأم بمنظرها المزري ، لكن الأم انزوت في ركن ركين من العشة الخاوية وجمعت صغيراتها حولها ثم شرعت لهن أثدائها المترعة وقربتهن إليها ليأخذن نصيبهن من حليبها ومحبتها .. سال لعاب القطة اللقيطة الجائعة ، وهمت بالتسلل مجددا محاولة الانزواء وسط صديقاتها الصغيرات الكريمات ، بل لعلها طمعت في ارتشاف حليب الأم معهن .. لكن الأم كان رد فعلها عنيفا بعض الشيء تلك المرة .. هبت من رقادها وزامت معلنة عن تحذيرها النهائي للدخيلة ، ومن ثم وعندما لم تظهر الأخيرة علامات التراجع والخضوع للأمر الواقع ، هاجمتها الأم الغاضبة بأنيابها ومخالبها .. دفعتها وأطاحت بها جانبا ثم ، وعلى سبيل التأكيد ، أنشبت أنيابها المسنونة في وجه القطيطة المتطفلة وأهدتها عضة صغيرة غير عميقة لكنها مؤلمة حقا .. تراجعت القطيطة فزعة وهي تعوى بشكل يثير الشفقة !
...
فزعة نهضت " مني " من رقادها المضطرب .. فثمة صوت بكاء مخيف أقلق نومها الخفيف فهبت شاعرة بالذعر .. أسرعت إلي مهدي طفليها المتلاصقين لتجد صغيرها " محمود " مفتح الأعين يبكي بصوت زاعق أقرب إلي الصراخ وهو يتلوي في فراشه الملون الصغير وتحت بطانيته المزدانة بالرسوم الفاقعة الألوان .. بسرعة مدت الأم يديها وأبعدت البطانية الصغيرة جانبا وحملت طفلها برفق بين ذراعيها ، قربته من صدرها وعلى ضوء اللمبة الساهرة الصغيرة تفرست في وجهه وقبلته وأخذت تهدهده برفق وحنان ، ثم عندما لم يهدأ بكائه أخرجت له ثديها الأيمن وحاولت إلقامه إياه في فمه لكنه تمنع وتحرك بين يديها بعصبية وعاود نوبة بكائه ثانية بصوت أعلي تلك المرة .. صحا " حمدي " المتعب على صوت صراخ أحد ولديه التوءمين ، لم يكن يميز بين صوتيهما بعد ، ففتح عينيه وتسمع للحظة قبل أن يتململ سائلا زوجته بلوم :
" ماله الواد يا " مني ؟! "
باضطراب أجابته زوجته وهي تواصل هدهدة الطفل ومحاولة إرضاعه :
" معرفش والله يا " حمدي " باينه جاله مغص ! "
كان هذا هو التفسير الأول الذي خطر ببال الأم الشابة ، ولا تنسوا أن الطفلين توقفا عن الصحو ليلا منذ فترة طويلة وأن هذه أول مرة يستيقظ أحدهما ليلا منذ بضع أسابيع ، ويبدو أن هذه الملاحظة الأخيرة هي التي أثارت غيظ الأب المرهق المكدود :
" ما كانوا بطلوا يصحوا بالليل وريحونا .. يا باي .. دي عيال أيه دي ؟! "
طبعا فإن الأب لم يكن قاسيا إلي تلك الدرجة ، فقط هو مكدود ومتعب وصادف أن كان هذا اليوم من أكثر الأيام التي طلعت عينه فيها في عمله ، لذلك كان يحلم بليلة هادئة ينعم فيها بنوم طويل مريح يعيد إليه نشاطه ويجدد خلاياه ، لكن صرخة ولده المفاجئة أقلقت نومه بأكثر مما ينبغي ، والمصيبة الأكبر أنه كان من النوع الذي يتعذر عليه العودة إلي النوم إن أقض مضجعه أو قطع نومه العميق شيء .. لكن " مني " لم تبالي بهذا كله ، فقد ذهبت إلي مفتاح الإضاءة وضغطت زر النور الكبير لتتفحص صغيرها وتفتش جسده لعل حشرة كريهة أو بقة تسللت إلي داخل ثيابه وقرصته وسببت له هذا القلق والصراخ المفاجئ .. لكن الأم فوجئت بعد أن أنارت الغرفة وكأنها في منتصف النهار بجرح صغير على وجه صغيرها الذي لا زال يتلوي بين ذراعيها :
" أيه ده ؟! "
هتف " حمدي " بغيظ وهو يغطي عينيه المثقلتين بالنوم اللتين غشاهما النور المبهر المفاجئ لكن جملة زوجته التالية أخرست كل اللوم الذي كان ينوي توجيهه إليها :
" يا خبر أسود ! "
هتفت " مني " مذعورة وهي تري جرح سطحي دام يبدو كالخربشة على جبهة صغيرها الناصعة .. قال الأب متسائلا بحنق :
" في أيه يا أما على المسا كده ؟! "
أسكتته " مني " قائلة باضطراب وصدرها يعلو ويهبط ذعرا :
" الواد .. قورته16 مجروحة ! "
لم يكن الأب حتى اللحظة يعرف أي واحد من ولديه هو الذي أقلق نومه في تلك الليلة السوداء فتساءل مغتاظا :
" مين فيهم اللي مجروح ؟! "
ردت " مني " بنفاد صبر :
" محمود .. " محمود " فيه جرح على قورته معرفش جاله منين ! "
كانت النقاط القليلة من الدم التي سالت علي جبهة الولد قد جفت مكونة لطخة حمراء صغيرة مثيرة للفزع ، رغم صغرها ، وهي تبدو شديدة الوضوح على جلده الأبيض الشفاف .. لم يفهم " حمدي " ماذا يحدث حوله حتى اللحظة فكل ما أدركه أن نومه أقلق وأن ليلة أرق مهببة تنتظره :
" ما يمكن يكون أخوه خربشه ولا حاجة ! "
وفعلا كان التوأم الثاني " احمد " يتمتع بأظافر طويلة قوية ، لا تلبث أن تنمو عقب أن تقصها له أمه بوقت قصير ، وكانت حادة مسنونة كالإبرة ، وكان الأستاذ " أحمد " يهوي رشق أظافره في أي وجه يقترب منه وجرها عبر لحمه على سبيل اللهو والتجربة :
" أخوه هيطوله منين يا عم أنت .. وبعدين ما هو الواد نايم في أمان الله اهوه ! "
مبرر مقنع لكنه لا يحل المشكلة .. فإذا لم تكن تلك العلامات على جبهة " محمود " من صنع أظافر أخاه الناشبة فمن أين أتت تلك الخدوش على وجهه إذن وكيف حدثت له وهو نائم في مهده بالقرب من والديه وأخيه وخلف بابين موصدين على التعاقب ؟!
نظرت " مني " حولها عبر الغرفة جيدا ، ثم التقطت منديلا ورقيا من داخل علبة المناديل الموضوعة فوق تسريحتها الكبيرة ومسحت وجه صغيرها برفق وقبلته وضمته إليها ضمة قوية ثم عادت تكرر محاولة إرضاعه ثانية ، عله يهدأ وينام ، ولكن دون جدوى ..
فالولد أصر على رفض الرضاع ، كما رفض أن يهدأ ويخفف من غلوائه قليلا ، بل ظل لأكثر من نصف ساعة وهو يصرخ بحرقة وبأعلى صوت لديه بين ذراعي أمه .. التي اضطرت لحمله إلي الصالة الخارجية والبقاء به هناك ، بعيدا عن أخيه وأبيه حتى لا يزعجهما ، وظلت به هناك تهدهده وتغني له وتهزه برفق حتى صمت أخيرا وحل عليه الهدوء السماوي .. ثم نام أخيرا على وقع صوتها الرخيم وهو يغني له بحب وعلى هزات ذراعيها الحانيتين المحبتين .. لكن رغم ذلك فقد فشلت الأم تماما في إجبار صغيرها على أن يرضع منها .. ولم تكن تلك إلا البداية فقط للأمر .. ف" محمود " ظل رافضا الرضاع من أمه فيما تلا تلك الليلة من أيام .. وليس هذا فقط .. بل إنه وحتى حل موعد الفطام لم يقبل " محمود " أن يأخذ ثدي أمه ثانية أبدا !
...
كان الصباح التالي مرعبا بكل ما تحمل الكلمة من معاني .. قضته الأم الشابة المسكينة " مني " في رعاية طفليها الصغيرين ، ولم تكن تلك المهمة المحببة إلي قلبها هي سبب الرعب أو المتاعب ، بل كانت محاولاتها الدءوبة لإطعام صغيريها هي السبب .. لم يكن هناك مشكلة فيما يخص الولد الأول " أحمد " الذي ألتقم ثدي أمه ورضع هنيئا مريئا حتى أفرغه من الحليب ، أما الولد الثاني " محمود " فهو الذي كان يومه مهبب حقا .. لقد رفض الرضاع من أمه صباحا عقب استيقاظه ولم يتناول وجبته الصباحية من اللبن حتى الساعة العاشرة والنصف ، وعندما اقتربت الساعة من حافة الحادية عشرة صباحا بدأ يعوي ويتلبط جوعا وطلبا للطعام ، فتناولته أمه من بين يدي جدته التي كانت تحمله وتسير به جيئة وذهابا ، وحاولت إرضاعه ثانية لكنها رفض ثديها رفضا لا هوادة فيه ، وأخذ يزم شفتيه كلما حاولت إلقامه الثدي بالقوة ، وهو يدير رأسه في كل اتجاه ، ثم أنفجر باكيا بطريقة أثارت حتى ذعر جدته الخبيرة في تربية الأطفال وقرفهم الذي لا ينتهي :
" الواد باين عليه عنده مغص يا " مني " ؟! "
قالت الجدة بوجهها المهموم ، فقد كان الحفيدين غاليين عليها جدا واقل أمر يمسهما يعكر مزاجها بشدة :
" منين هيجيله المغص يا ماما .. ده حتى مرضعش من مغربية إمبارح ! "
وكان هذا حقيقي .. وبحساب بسيط يمكننا أن نتأكد أن الطفل ذو الخمسة أشهر لم يدخل جوفه قطرة حليب منذ أكثر من تسعة عشرة ساعة تقريبا !
لكنه مع ذلك يرفض أن يرضع من أمه .. كان الطفلين قد وصلا إلي سن مناسبة للأكل ، كان من الممكن إطعامهما بقليل من مسحوق السيريلاك المخلوط بالماء أو الحليب ، أو صفار البيض المهروس ، ولا مانع من كبد دجاجة أو إوزة مهروسة جيدا ، كل هذه كانت خيارات جيدة متاحة .. لكن " مني " أصرت علي ألا تغامر بإطعام الطفلين أي شيء عدا حليبها أو اللبن العادي خوفا من التقلصات والتلبكات والنزلات المعوية وكل هذه المشاكل التي يمكن أن يعاني منها الولدين ويصدعا بها رأسها .. لذلك فعندما اقترحت الجدة محاولة إطعام " محمود " أي شيء آخر ما دام رافضا لرضاعة منها أبدت الأم فورا رفضا وأعلنت عن مخاوفها المتعلقة بالمشاكل الصحية :
" طيب يعني هنسيبه يموت من الجوع .. مش راضي يرضع ولا أنت عايزة تأكليه نعمل أيه يعني ؟! "
طبعا كان كلام الجدة مقنعا ولم تدخر وسعا في تنفيذ نصيحتها على الفور .. نادت على ابنتها " صفاء " ، التي كانت جالسة في غرفة الجلوس تشاهد برنامج ( طعم البيوت ) وتتابع رغي ولت وعجن سيدة بدينة لا تكف عن الثرثرة مع المذيعة ، وقالت لها آمرة :
" بت يا " صفاء " أفتحي التلاجة وطلعي الكبدتين بتوع الفراخ المدبوحين اللي في الفريزر وحطيهم في كزرونة17 وشوية مية خليهم يتسلقوا ! "
لم تجادل " صفاء " ونفذت الأمر الصادر إليها من أعلي سلطة في البيت ، أمها ، دون أسئلة ..
وخلال دقائق كانت رائحة الكبد المسلوقة تتصاعد من داخل المطبخ .. الغريب أن الولد " محمود " ، الذي كان هامدا تماما بين ذراعي جدته بسبب الجوع الطويل ، قد دبت فيه حيوية مفاجأة حينما انتشرت رائحة الكبد المسلوقة ووصلت إلي خياشيمه .. فتح الولد عينيه فجأة ، وأخذ يدير رأسه بجنون ، ثم بدأ يزوم بطريقة غريبة ومضت أصوات غريبة خشنة تخرج من حنجرته وتتعالي أكثر كلما مرت دقيقة وكلما زادت قوة الرائحة القادمة من المطبخ .. ابتسمت الجدة وقبلت حفيدها وقالت له مدللة :
" أنت شميت الريحة .. باين عليك قطة بجد ! "
وخلال لحظات تالية كاد الولد يلقي بنفسه إلي الأرض وهو يزوم بجنون باحثا عن مصدر الرائحة .. وفي داخل المطبخ كانت الكبدة قد نضجت تماما ، ولم يتبقي فقط سوي تبريدها ليمكن للولدين أن يأكلا منها :
" يا بت يا " صفاء " طلعي الكبدة من مية السلق وخليها تبرد شوية وهاتيها ! "
ولم تستغرق عملية التبريد أكثر من خمس دقائق ، وضعت العمة بعدها الكبدة الشهية المنظر في طبق صغير وحملتها خارجة من المطبخ إلي حيث تجلس أمها وزوجة أخيها على كنبة في الفسحة الخارجية من البيت ..
ولم تكد العمة تهل وهي حاملة طبق الكبدة حتى بدأ " محمود " في الصراخ .. كان يصرخ فعليا ويتحرك بطريقة بالغة العنف بين يدي جدته ، ويحاول أن يزحف بعيدا عن حجرها ، الذي تضعه فوق وهي تدير يداها حوله بإحكام ، كان منظر الولد في الحقيقة غريبا للغاية لدرجة أن " صفاء " لم تتمالك أن تهتف بعجب :
" بسم الله الرحمن الرحيم .. ماله الواد ؟! "
لكن الولد لم يعطي لأحد فرصة لكي يفهم ماذا يحدث بالضبط .. فلم تكد جدته تسنده بيد وتأخذ الطبق باليد الأخرى من ابنتها ، ثم تحاول أن تقسم الكبدة إلي أجزاء صغيرة لكي تطعمه منها قطعة قطعة حتى كان الولد قد أنقلب ، بعد أن أنفلت من بين يدي الجدة ، وسقط بوجهه فوق الطبق مباشرة .. صرخت الأم فزعة لأنها ظنت أن طفلها قد أصيب بمكروه أو جرح نتيجة انقلابه المفاجئ .. لكن المفزع حقا في الأمر هو ما حدث في الثانية التالية .. فقد سقط الولد بوجهه فوق الطبق ودفن وجهه فيه ثم بدأ يمسك قطع الكبدة الصغيرة كلها بين لثتيه ويبتلعها وهو يزوم بجنون .. نهضت الجدة قائمة وأمسكت بالصغير بينما " مني " تردد بذعر :
" ألحقي ألحقي يا ماما .. لحسن الكبدة توقف في زوره وتسده وتموته ! "
لكن الطعام فيما يبدو لم يقف في زور الصبي ويسده ولا أي شيء ، لأن الجدة حينما أمسكته وفتحت فمه بالقوة محاولة استخراج القطع المحشورة ، بظنها ، فيه وجدت فمه خاليا وبقايا الكبدة تلطخ اللثة والجدران الداخلية للفم .. كان واضحا أن الولد أبتلع الطعام دون أي مشاكل !
الأمر الأغرب هو أن الجدة عندما دست أصابعها بالقوة في فم حفيدها الرضيع أطبق على أحد أصابعها وغرس لثته الخالية فيه لكنها أحست بوخز شيء رفيع حاد ينغرز في أصبعها .. وعندما أخرجت أصبعها وجدت بقعة حمراء صغيرة متعمقة في الجلد يظهر عليها بوضوح أثر سنة !
نهضت " مني " وأخذت تستكشف فم صغيرها لتفاجأ بسنة لبنية صغيرة برزت من الفك العلوي من الأمام رغم أنه لم يكن لها وجود ليلة أمس !
...
ويبدو أن هذا اليوم كان مخصصا للأحداث الغريبة ومشحونا بها .. فبعد الاكتشاف الغريب الذي وقعت عليه " مني " وحماتها في فم " محمود " الصغير والسنة النابتة له فجأة .. كان الدور على تؤمه " أحمد " لكي يثير ذعر الجميع بدوره .. فالطفل الثاني بقي نائما حتى ساعة متأخرة من صباح اليوم حتى اضطرت أمه إلي أن تقوم بإيقاظه بنفسها ، وهو أمر قلما كانت تفعله ، لكن إيقاظ الطفل لم يكن بالسهولة التي قد يتوقعها البعض .. بل إن " أحمد " أستغرق دقائق طويلة حتى فتح عينيه بكسل شديد ، وتلفت حوله للحظة قبل أن يغلق عينيه محاولا العودة إلي النوم ثانية .. لكن أمه لم تمهله فحملته ورفعته من فراشه حتى يفيق ، ثم بدأت في الاستعداد لتغيير حفاضاته ثم إرضاعه .. حملته بذراع وضمته إلي صدرها فوضع رأسه على صدر أمه وأستغرق في غفوة جديدة ، ثم اتجهت وهي تحمله إلي الدولاب حيث فتحته ، ثم سحبت عبوة الحافضات الكبيرة من أسفل وأخرجتها .. ذهبت نحو الفراش الكبير وأنامت صغيرها المرتخي تماما عليه وبدأت في نزع ثيابه استعدادا لإلباسه ثيابا جديدة نظيفة ، رغم أن ثيابه الحالية لم يرتدها إلا لمساء واحد فقط ولا تزال نظيفة تماما ، لكن " منى " كانت موسوسة جدا فيما يتعلق بطفليها الغاليين ، خاصة الاهتمام بنظافتهما وصحتهما .. نزعت الثياب البهيجة وألبسته أخري لكنها لاحظت شيئا غريبا للغاية حينما نزعت الحافضة .. كان القماش المبطن بالطبقة المانعة للتسرب ملوثا بفضلات صغيرها ، السائلة وشبه الصلبة ، كالعادة ، لكن الغريب أن رائحة كريهة للغاية كانت تفوح من حافظة الصغير المتسخة .. طبعا ليس من الغريب أن تفوح رائحة غير محببة من حافظة طفل عامرة بمخلفات بشرية خام لكن الأمر لم يكن كذلك ، لن يخرج الطفل عطرا هذا أكيد ، لكن الأكثر تأكيدا أن الرائحة التي تتشبع بها الحفاضة ليست رائحة مخلفات طفل عادي .. بل الأكثر أنها لا تبدو رائحة مخلفات بشرية أصلا !
طبعا كان الإحساس الذي أنتاب الأم الشابة غريبا جدا لكنها لم تناقشه مع نفسها طويلا ، فقد قررت أن رائحة براز طفلها غير طبيعية ولابد أن الطفل يعاني متاعب من نوع ما في معدته أو أمعائه ولا محيص عن التوجه به إلي الطبيب في أسرع وقت .. انتهت " مني " من تغيير ثياب طفلها ، ثم حملته بالقرب من صدرها ، وجلست وهي تحمله إلي طرف الفراش ثم بدأت في إرضاعه .. ضمته إليها ، بعد أن رفعته بواسطة وسادة رضاعة وضعتها على حجرها ، ووضعته فوقها ، وألقمته ثديها الأيمن المترع باللبن ، فتناوله الطفل بنهم بين شفتيه .. عكف على مصه دقيقة ثم فجأة ، وهكذا دون إنذار ، أطبق فكيه الخاليين علي ثدي أمه اللين بعضة أليمة جعلتها تصرخ من فرط الألم ، وتدفعه بعيدا من عزم الألم فيها .. كانت هذه أول مرة تبدر من " مني " الرقيقة الحانية بادرة عنف نحو أحد طفليها العزيزين لكن فحص ثديها الجريح والذي تركت فيه العضة القوية أثرا عميقا نبتت منه بضع قطرات من الدم ، بين اللبن الغزير يسيل منه ، جعلها تكاد تصاب بالجنون .. ليس لعنف الألم ولا المفاجأة فحسب ، بل لشدة الصدمة وغرابتها .. فكيف يتسنى لطفلها أن يعضها ويصيبها بفكيه الأدردين الخاليين من الأسنان !
لكن فكي " أحمد " لم يكونا خاليين ولا أدردين ، وهي آخر من يعلم فيما يبدو ، فعلي امتداد اللثتين العليا والسفلي نبتت أسنان صغيرة حادة متفرقة عددها خمسة أسنان بإحصاء هين .. خمسة أسنان في ليلة واحدة وكلا الطفلين نام بفم خال تماما من الأسنان ؟!
لم يكن ما شهدته " مني " ذلك اليوم قابلا للتفسير أو للتغاضي أو للوضع تحت قائمة التجاهل ، ولا تفسير له كذلك .. لا تفسير إلا أن شيئا غريبا يحدث لطفليها التوأمين !
....
خلال الأيام القليلة التالية بدأ تباشير الأسنان اللبنية تتكاثر في فمي الصغيرين مسببة السعادة والبهجة لقلوب الأب السعيد " حمدي " وأبويه ، الجدين المتلهفين ، و" مني " نفسها كانت سعيدة بأن طفليها قد نبتت أسنانهما دون أن يمرا بمتاعب التسنين المرهقة ، ونجيا من كل تلك النزلات المعوية ونوبات الإسهال وخلافه .. لكن التسنين الهادئ السريع كان مصحوبا بظاهرة مزعجة للغاية ، وهي ميل الصغيرين لعض كل ما تصل إليه أيديهما أو يقترب من أفواههما .. وأولها ثدي أمهما ، التي صارت لحظات رضاعة طفلها " أحمد منها عذابا مقيما بالنسبة لها ، بعد أن كان منبع للبهجة والدفء والشعور القوي بالأمومة ، حتى أنها بدأت جديا ، وبعد أن امتلأ ثدياها بالجروح العميقة الناجمة عن عضات الصغير الموجعة ، تفكر في التعجيل بفطامه والاعتماد في تغذيته على الأطعمة ، أسوة بأخيه الذي فطم نفسه بنفسه من ثدي أمه .. كان طبيعيا جدا ميل الصبيين للعض في أي شيء أمامهما في مرحلة إنبات الأسنان .. لكن عضاتهما لم تكن أبدا عضات عادية أو معتادة .. بل كان ينشبان أسنانهما في الشيء التعس الحظ الذي يتصادف وقوعه بين أيديهما ، أو بين أسنانهما ، ويغرزانها فيه ويعضانه بقوة وقسوة وإصرار ، ولا يتركانه إلا بعد أن يرصعاه بعلامات غائرة دامية في أحيان كثيرة إذا كان الشيء المقصود جزءا من جسد كائن حي ، تصادف وصوله إلي فم أحد الطفلين لسوء حظه ، حظ الشيء وليس حظ الطفل العضاض بالطبع ..
لكن أقوي عضة وأقساها كانت من نصيب عمتهما " صفاء " التي لم تكن تعرف أو تصدق مدي شراسة طفلي أخيها الصغيرين وقسوتهما البالغة في العض ..
كانت " صفاء " تداعب أحد الطفلين " أحمد " ذات مرت بينما هو يحبو في الصالة الكبيرة المفروشة بالبسط الخضراء السميكة ودلفت أصبعها عامدة داخل فم الصغير ..
كانت العمة تضحك وهي تداعب ذقن ابن أخيها الذي تحبه بجنون وتقول له مدللة :
" خد .. عض .. أنت بتعرف تعض أنت ! هي دي أسنان أصلا دي بلاستك يا واد ! "
كانت " صفاء " تمازح الطفل وتداعبه ، وتعتقد أنها سيعضها عضة هينة بأسنانه اللبنية الضعيفة .. توقف الغلام عن الحبو وجلس مكانه ينظر إلي عمته بصبر وهدوء .. كان عملا غريبا للغاية من طفل لم يكمل عامه الأول بعد لكن " صفاء " سعدت بهدوء ابن أخيها وثباته :
" لا جدع يا واد .. جدع وقلبك جامد ! "
كانت الفتاة تمزح بالطبع ولم تدرك ما يمكن أن يحيق بها جراء إصرارها على مداعبة الطفل بتلك الطريقة المعتادة .. مدت " صفاء " يدها وداعبت ذقن " أحمد " الصغير المستدير اللذيذ ومررت أصابعها أمام وجهه .. وفجأة أنقض الغلام على يدها !
هاجم يدها المفرودة الأصابع وأمسك الإبهام بين أسنانه بنهم .. ثم أطبق أسنانه النابتة عليه بقسوة وأخذ يعضه ويمضغه بجنون وهو يزوم بطريقة مثيرة للرعب .. أربد وجه العمة نتيجة لقسوة العضة وآلمها المفاجئ .. مدت " صفاء " يدها الأخرى وتمهلت وهي تحاول انتزاع أصبعها من داخل فم " أحمد " الصغير ، وكانت تفعل ذلك بمنتهي الحرص ، خوفا من أن تصيبه بضرر وهي ترغمه على إفلات أصبعها .. لكن كل محاولاتها السلمية ذهبت أدراج الرياح فقد بقي الغلام متشبثا بالأصبع الكبير في فمه وأسنانه الرفيعة الحادة كالإبرة تجول فيه عضا ومضغا وطحنا .. صرخت " صفاء " ، بعد أن فقدت قدرتها على تحمل المزيد من الألم ، واستخدمت بعض القوة في محاولة لتخليص أصبعها الذي يكاد يتحطم تحت أسنان هذا الطفل الذي لم تري له مثيلا من قبل .. فلما عجزت تماما عن إفلات نفسها منه .. أمسكت فمه وفتحته عنوة مستعملة أقصي قوتها وانتزعت أصبعها من بين شفتيه الممتلئتين بقوة جعلته يصرخ محتجا غاضبا كالوحش .. بينما أخرجت هي أصبع ممزق يشلب دما وثمة جروح غائرة تندفع منها الدماء بلا توقف .. غضبت " صفاء " غضبا شديدا وصرخت في وجه الولد ساخطة :
" ده أنت شيطان مش بني آدم .. غور بقي كده يا شيخ ! "
وصلت صرخات الابنة الغاضبة إلي الجدة التي كانت تؤدي صلاة الظهر في ( الديوان )18 الخارجي ، فقطعت صلاتها غصبا لأنها تخيلت أن ضررا هائلا حل بابنتها وهرعت نحو الصالة لتجد ابنتها تنزف دما غزيرا من أصبعها الممزق فضربت صدرها وهتفت متسائلة بذعر :
" كفا الله الشر .. مالك يا أمي أتعورتي في أيه ؟! "
لكن " صفاء " أجابتها بوجه منتفخ محمر وهي تحيط أصبعها الجريح بمنديل قماشي وجدته في عبها :
" ده الزفت اللي اسمه " أحمد " ده .. شوفتي عضني إزاي .. تقوليش كلب سعران ! "
جاءت " مني " في تلك اللحظة حاملة " محمود " الذي صحا لتوه والذي يرقد فوق صدرها بعينين مغلقتين ناعستين وسألت عما يجري هنا .. لكن الحماة نظرت لابنتها نظرة ذات معني تفهمه جيدا ابنة عاشرت أمها عقودا وتعرف ماذا تقصد بكل نظرة لها .. أطبقت " صفاء " المنديل جيدا على جرحها المؤلم وقالت لزوجة أخيها مدارية غيظها من طفلها الآخر الذي يكركر على الأرض ويحبو كالعفريت في كل مكان :
" لا سلامتك يا أختي .. ده مسمار في الكنبة عورني في صباعي ! "
16 القورة اللفظ العامي لكلمة جبهة
17 كزرونة : كسرولة حسب النطق الصعيدي
18 الديوان : كلمة تطلق علي الفسحة التي تلي الباب مباشرة في بيوت الصعيد
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق