التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المتحولون ( رواية مسلسلة ) الفصل السادس

 

ولم يكن ثمة أهمية لإخفاء الأمر عن الأم الشابة لأنها هي نفسها أنكوت بنفس النار بعدها .. الولدين مولعين بالعض بطريقة غير طبيعية إطلاقا ، وحتى الأب الفرح بهما ، الذي لا يتحمل في طفليه نسمة الهواء ، تعرض لعضة قوية من " أحمد " جعلته يفقد أعصابه ويدفع الولد دفعة قوية فأسقطه أرضا علي ظهره ونهض ، دون أن يبالي بالولد الذي أنفتح في البكاء كصفارة الإنذار ونادي علي زوجته ليشهدها علي السعار المصاب بها ابنها :

" ما تيجي تشوفي السعران ده .. مالهم عيالك دول كلاب متوحشة ؟! "

كان الأب جادا في غضبه ، وأدركت زوجته ، بعد أن شاهدت منظر أصبعه المتورم المحمر ، أنه كذلك ، فلم تعلق ولم تعاتبه علي دفع الطفل وتركه يبكي وينتحب علي الأرض ..لكن ، وكعادة مرحلة الطفولة ومنغصاتها التي كالسكر علي قلوب الآباء ، فقد نُسي كل شيء سريعا .. لكن الولدين نفسيهما لم ينسيا !

...

في يوم الأربعاء التالي كانت الجدة والعمة " صفاء " يباشرون الخبيز بالسطح عندما وقعت عينا الفتاة علي اكتشاف غريب .. لقد عثرت علي مجموعة كاملة من القطيطات الصغيرة مختبئة خلف بعض أجولة الدقيق وشكاير الدقيق الفارغة في عشة الدجاج الخاوية .. لم تكن القطة الأم هناك ولم تكن هناك حركة تثير الانتباه أو تشير إلي وجود مستعمرين في العشة لكن ثمة صوت خفيض كان يتسرب أحيانا ويصل إلي أذني " صفاء " أثناء مبادلتها الحديث مع أمها .. كانت المرأتان تثرثران بينما الابنة تقوم بتقطيع العجين إلي أرغفة صغيرة مستديرة وتلته في راحت يدها ثم تغمسه في إناء الدقيق ليتغطي سطحه السفلي بالمادة البيضاء ولا يلتصق بأسطح ( المقارص ) حينما يوضع عليها .. لكن البنت كانت تصمت لحظات ، كلما تسلل صوت غريب إلي أذنيها ، وتتوقف مطرطقة أذنيها لتعرف من أين يأتي هذا الصوت بالضبط وما هي نوعيته .. وبعد أن انتهت الفتاة من مهمتها نهضت ، بعد أن غسلت إناء العجين بالماء ودلكت جوانبه بأعناق الثوم الجافة لتزيل ما ألتصق بها من عجين ، وساعدت أمها في إحكام رص الخبز الطري المقطع لتوه فوق المصطبة وعلي الأرض في الشمس ليختمر ، ثم بدأت تبحث عن مصدر الصوت الواهن المتسلل :

" بتعملي أيه يا بت ؟! "

ردت " صفاء " قائلة وهي تواصل التنقيب في السطح وخلف الأجولة والأقفاص الفارغة المكومة هنا وهناك :

" في صوت كده معرفش جاي منين ! "

أجابت الحاجة وهي تتأكد من وضع كل الأرغفة في أمكنة مشمسة :

" صوت أيه يا بت ؟! "

" زي ما يكون صوت قطة كده ! "

ضحكت الأم وقالت :

" قطط أيه .. مفيش قطط ! من ساعة ما سمينا التلاتة الكبار السنة اللي فاتت والقطط حرمت تهوب ناحية سطوحنا شكلهم عرفوا إن إحنا اللي موتنا أصحابهم ! "

أخذت الحاجة تضحك بينما كانت عمليات التنقيب الدءوبة التي تقوم بها ابنتها قد وصلت إلي أكناف العشة الفارغة :

" أهو شوفتي .. عشان تبقي تصدقيني ! "

قالت " صفاء " عندما أبعدت مجموعة أجولة وفوجئت خلفها بكومة من القطط الصغيرة ملتفين حول بعضهم وكأنهم يحتمون ببعضهم البعض .. اقتربت الأم ونظرت :

" يا دي البلوي .. إحنا ناقصين دول.. كام دول يا بت ؟! "

ألقت الابنة نظرة سريعة ثم قالت مؤكدة :

" أربعة وكلهم شبه بعض ! "

مصمصت الأم بشفتيها وفكرت قليلا ثم هتفت فجأة :

" كويس فرصة أمهم مش قاعدة .. لافيني 19 يا بت شكارة فاضية من اللي عندك دول ! "

كانت البنت تفهم ما تنوي أمها القيام به فقالت متصعبة :

" حرام والله يا ماما .. سيبيهم والنبي دول لسه صغيرين ولو رميناهم في الشارع هيموتوا من الجوع ! "

دفعت الأم ابنتها جانبا وتناولت بنفسها شيكارة فارغة وبدأت تمسك القطط الصغيرة وتضعها داخلها :

" أوعي يا بت بلاش سهوكة .. حرام ليه ! دي بتخرب علينا ومش هنعرف نربيلنا فروجة ولا حمامية منهم ! "

كان تفكير الجدة العملي قد أتجه لأضرار وجود مثل هذا العدد من القطط في البيت واعتيادهم عليه .. لن يفارقونه بعد ذلك وسيكون من الصعب التخلص منهم .. ورغم أن أم " حمدي " لم تكن تفكر جديا في إعادة تربية الطيور فوق سطح منزلها ، لأنها تعبت من تربية الطيور التي لا تكبر في بيتها إلا لتأخذها الفرة20 وتموت ، إلا إن منظر تلك القطط الصغيرة المستوطنة في عشتها الأثيرة جعل أحلامها في تربية سرب من الطيور المنزلية ، من أجل اللحم والبيض ، تتجدد وتطفو من جديد .. ومن حسن حظ الجدة ، أن القطة الأم لم تكن موجودة لتدافع عن صغيراتها المرتجفات .. فلم تجد أدني صعوبة في لمها كلها في الشيكارة تمهيدا لرميها في الشارع بما تحويه !

ربطت الجدة عنق الشيكارة جيدا ثم دلدلت نفسها من نافذة السطوح العريضة وأخذت تمسح الشارع المترامي بناظريها .. كان هناك الكثير من الردة الصفراء في جوانب الشارع ووسطه ، خاصة وأن كثيرات من نسوة الشارع القاطنات في بيوت ليس بها أسطح ، أو في شقق لا تصل إليها الشمس بما يكفي لتخمير الخبز ، كن يلجأن إلي رص خبزهن المقطع علي مقارصه في عرض الشارع أو في زواياه حتى يتسمش ويختمر .. لكن لم يكن هناك الكثير مما تبحث عنه الجدة !

نظرت فترة طويلة قبل أن تنادي فجأة :

" يا واد يا " عبد الله " ! "

كان " عبد الله " هذا طفل في حوالي الرابعة من العمر يرتدي جلبابا منزليا مقلما وشبشب قذر تطل أصبعه الكبيرة من خرق في جلده الأمامي ، ويسير ناعسا في الشارع ممسكا بكيس بلاستيكي صغير ممتلئ بالفول المدمس :

" يا واد يا " عبد الله " ! "

كررت الجدة النداء فأنتبه الولد لنداء اسمه ورفع رأسه ناظرا نحو سطح منزل عم أبيه ، إذ كان والد " حمدي " هو عم والده لذلك اختارته الجدة لتعهد إليه بمهمة ما علي أساس أنه قريبهم ، وقال بصوت مرتفع لتسمعه الجدة من أعلي :

" أيوه يا ستي ! "

أسقطت الجدة الشيكارة بما فيها لتهوي في قلب الشارع بالقرب من المكان الذي وقف فيه الولد الصغير وقالت متبعة إياها :

" خد الشيكارة دي وأرميها علي البحر21 متفتحهاش .. شالله يسعدك يا ولدي ويخليك ! "

نظر " عبد الله " إلي الشيكارة الملقاة بقربه وسمع صوت مواء خفيف قادم من داخلها ، فأدرك علي الفور ما فيها ، وارتسمت علي وجهه المستدير علامات الشقاوة والعفرتة وأسرع ممسكا بها وأبتعد وهو يجري ناحية بيتهم في آخر الشارع !

...

لم ينم أحد في بيتهم الليلة .. فطوال الليل كان هناك صوت عواء مخيف يتردد فوق سطوح بيتهم .. كان من الواضح طبعا أنه صوت قطة كبيرة ، لكنه أنقلب من مواء متحولا إلي عواء .. كفت القطة الأم عن مناداة " داووود " أو البحث عنه وتفرغت للنحيب علي قططها الصغيرة التائهة بصوت تحول إلي عواء مخيف .. أنطلق العواء أولا في النهار ، بعد أن فرغت الأم والابنة الكبرى من خبز العيش ونزلتا من فوق السطح ، ويبدو أن القطة خافت لم تحاول الاقتراب من المحضن الذي تركت فيه صغارها حتى ابتعدت التهديدات البشرية وهنالك فوجئت باختفاء صغيراتها الجميلات .. عندئذ بدأت تنوح وتعوي منادية إياهم باحثة عنهم ، لم يكن العواء بالنهار مخيفا ، وسرعان ما انقطعت نوبة العواء بعد دقائق ، حيث بدا أن الأم الثكلى ذهبت تبحث عن أطفالها في كل مكان .. لكن مع غروب الشمس ودخول الليل بدأت نوبة ثانية من العواء تتردد في جوف الليل .. وبدأت مخيفة حقا !

كان من الغريب حقا أن يشعر أولئك الناس الناضجون العقلاء بالذعر لمجرد صوت قطة تموء وتتشكي .. لكن ذلك الصوت العميق الحيواني الحزين وهو يتردد في السطح المظلم وموجاته الصوتية تنساب عبر ردهات البيت وحجراته وتتسلل من تحت أعقاب الأبواب لتحكي قصة مأساة مخلوق ضعيف لا يشعر أحد بمعاناته ، بدا مخيفا ومثيرا للذعر .. لدرجة جعلت الجد نفسه ، كبير البيت ، يتقلب في سريره ويلكز امرأته ، الجدة ، الراقدة مفتوحة العينين بجواره ويقول لها بصوت منخفض وكأن الظلام يجسم الأصوات ولا حاجة به إلي رفع صوته لتسمعه زوجته :

" والله حرام عليكي يا ولية .. عليا النعمة زي ما تكون أم وراح منها ضناها من صح 22 والله العظيم صعبانة عليا ! "

مصمصت الجدة ، التي لا تدخل تلك النوبات من الشفقة عليها ولا تلزمها ببصلة ، وردت قائلة :

" طيب نام يا حنين .. حوش الحنية اللي بتسرسب منك علي الأرض ! آمال لما أنت حنين قوي كده حطيت للقطط الكبار السم بأيديك ليه السنة اللي فاتت ؟! "

كانت تلك نقطة سبق احتفظت الجدة لنفسها بحق استخدامها ضد زوجها حينما يتهمها بالقسوة وانعدام الرحمة .. إنه هو في الحقيقة من سمم القطط الكبيرة ، التي كانت تغزو سطوحهم وتأكل الفراخ والكتاكيت والبط الصغير الذي فقس لتوه من البيض ، العام الماضي وليس هي من فعلت ذلك !

لكن دفاع الجد عن نفسه كان معدا سلفا :

" مش أنت يا فقرية اللي قولتي .. قعدتي تزني علي وداني زي الحداية : بيخربوا علينا يا أبو حمدي .. بياكلوا الكتاكيت يا أبو حمدي .. فضوا السطح علينا يا أبو حمدي .. داهية فيكي وف ... ولا بلاش ! "

ألتحف الجد بالكبرتاية الصيفية الخفيفة وأعطي ظهره لزوجته محاولا النوم بينما نظرت هي لظهره المتخشب باستهانة ومصمصت بشفتيها للمرة الثانية وقالت لنفسها همسا :

" شوف يا أختي الراجل ! "

والحق أن هذه المناقشة العائلية اللطيفة لم تغير من الأمر شيء ، فلا يهم من قام بتسميم القطط المرة الماضية ، أو من الذي تخلص من القطط الجديدة الوليدة .. فالمهم أن القطة الأم ، التي فقدت صغارها ، لم تدع أحدا فيهم ينام أو يغمض له جفن طيلة الليل !

لم يكن هذا غريبا جدا .. لكن الغريب حقا أن القطة حظيت بمعاون لها في نحيبها وندائها الملهوف علي أولادها .. إذ سرعان ما سمع سكان البيت القلقون صوتا ثانيا ، وربما صوتين ، يموء بوحشية وينتحب مناديا الصغار المغدورة !

كانت " مني " هي أول من انتبهت للصوت الثاني الدخيل .. كانت مستلقية في فراشها بجوار زوجها ، الذي وضع وسادة فوق رأسه ، لتمنع عنه الصوت الشاكي المخيف المرتفع ، ولم تعرف إن كان نائما تحت وسادته أم مؤرقا مثلها .. الغريب أن " مني " كانت تشعر بشفقة شديدة نحو القطة الأم الذي أخذت منها صغارها عنوة !

وحتى إن اعتبرنا الأمر مثيرا للسخرية فإن الأم الشابة تخيلت لو أن هناك مخلوقا أكبر وأقوي من البشر جاء وأخذ طفليها وألقاهما بعيدا ، بحيث لا تستطيع الوصول إليهما من جديد ، فكيف سيكون شعورها نحو ذلك ؟!

لابد أنها ستعتلي حائطا لتعوي وتصرخ منادية أطفالها .. الحمد لله أنه ليس هناك مخلوق أكبر ولا أقوي ولا أكثر قبحا من البشر علي سطح الأرض !

لكن الصوت نفسه ، الصوت الجديد ، أخافها حقا .. كانت مستلقية بدون غطاء ، فهي لا تطيق الأغطية في فصل الصيف ، تتسمع بحزن لسيمفونية الأسى التي تطلقها القطة الأم المسكينة حينما ميزت أذناها رنة دخيلة في المعزوفة التي لم تتوقف منذ بضع ساعات .. بدا أن هناك قطة أخري دخلت علي الخط .. ربما كانت قطة صديقة أو قريبة للقطة الثكلى جاءت لتقوم بالواجب في تلك المناسبة الحزينة ، مثلما يفعل البشر ، وربما تكون قد شدت علي يدي قريبتها المسكينة وهتفت قائلة لها بعوائها :

" قلبي عندك يا حبيبتي ! "

ضحكت " مني " ، رغما عنها ، عندما جاء هذا التصور الهزلي في رأسها لكنها توقفت عن الضحك فورا .. فقد سمعت صوتا غريبا صادرا من ناحية فراش طفليها !

نهضت " مني " ، الحساسة لأي شيء يخص طفليها ، فورا واتجهت ناحية الفراشين الصغيرين المتلاصقين ، اللذين يبدوان كفراش واحد ، حيث ينام الطفلين متجاورين .. وتطلعت داخلا لتري ما يحدث .. كان النور الساهر مضاء وعلي موجاته الضعيفة رأت عيني طفليها مفتوحة !

كان كلا الطفلين مفتوح العينين يحدق أمامه مباشرة في هدوء ودون أن يصدر عنهما أي صوت أو حركة ..

نظرت الأم إليهما بدهشة .. كان سلوكهما مثيرا للعجب فعلا ، غلامين ساكنين مفتحي الأعين علي سعتها ولا تصدر عنهما حركة واحدة .. طفقت تلاحظهما للحظة ، قبل أن تمد يديها وتبدأ في تحريك " أحمد " محاولة رفعه لتحمله إلي صدرها .. لكنها لم تكد تفعل حتى كانت صرخة مروعة تصدر عن الصغير !

أنفتح الولد صارخا بعنف .. صرخة طويلة عاوية مخيفة وتبعه أخيه فأطلق بدوره صرخة مماثلة ..

أنتفض الأب من سريره وأسرع ناحية فراش الطفلين ووقف بجوار زوجته ينظر بدهشة إلي طفليه العجيبين .. الأغرب من كل هذا أن القطة الثكلى انفتحت في الصراخ مجددا ، بعد أن كانت هدأت للحظات قليلة ، وأرتفع عواءها الشاكي المتظلم الذي كاد لا يفترق في شيء عن صراخ الصبيين !

تخلت يدا الأم عن صغيرها الصارخ وتركته معيدة إياه إلي رقاده الأول علي ظهره لكن نوبة الصراخ الثنائية لم تتوقف بل زادت حدتها !

20 الفرة : أي مرض يصيب الطيور ويقضي عليها

21 البحر : تطلق علي نهر النيل في مدن الصعيد

22 من صح : حقا أو بجد 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لويز بيت، دوقة الموت : السفاحة المبتسمة ! Louise Peete: Duchess of Death

  لويز بيت .. بدموعها خدعت قضاة ومحلفين ومحققين ! النشأة الأولي : سرقة وعهر : جنوح مبكر ! جاءت " لوفي لويز بريسلار إلي الحياة في يوم 20 سبتمبر 1880 ، في مدينة " بينفيل " بولاية لويزيانا الأمريكية لأب ثري يعمل ناشرا ولديه صحيفة خاصة .. وقد كان والداها مثقفين ومن الطراز المثالي ، ولكن الفتاة التي ألٌحقت بمدرسة خاصة في ( نيوأورليانز ) قد تم طردها من المدرسة وهي بعمر الخامسة عشرة لسببين هما : السرقة وسلوك مسلك غير أخلاقي .. فقد كانت الفتاة المثقفة الثرية تمتهن البغاء في أوقات الفراغ ! جنوح مبكر وعجيب وغير مبرر إطلاقا . وكانت " لويز " غاوية للرجال فلم تستطع أن تبقي بدونهم طويلا ، وعندما وصلت إلي سن الثالثة والعشرين ، أي في عام 1903 ، تزوجت من بائع متجول يدعي " هنري بوسلي " ، وبقيا معها ثلاث سنوات ، انتهت بأن أطلق الزوج النار على رأسه ! والسبب أنه وجد زوجته المصونة برفقة رجل آخر في الفراش ، فلما واجهها كلمته ببرود وسماجة ، وثبت أنها لا تشعر إطلاقا بجريمة الخيانة التي ارتكبتها .. وأمام برودها أحترق الزوج داخليا فلم يجد حلا يريحه سوي الانتحار ...

أكبر من أن يكون ملاكا !!

  لمعت نظرة مريبة في عينيها وهي تراقب الصغير يلهو أمامها ، لم تكن هي بدورها إلا صغيرة مثله ، طفلة لم تتعد أعوامها الإحدى عشرة ، ولم تقفز بعد فوق حاجز شرود الطفولة ونزق الطبيعة الثائرة ، التي تتمشي ف هوادة ، في العروق البارزة ، ملامح رقيقة ، لكن غموضها أضفي عليها طابعا يبعدها عن القلوب ولا يقربها ، كان لها رفاق بالطبع لكنهم كانوا رفاق ضراء لا سراء ، كل مهمتهم أن يوسعوا الصغيرة سخرية ، وأن يتهكموا عليها بكل ما أوتوا من قوة ، تنمر الأطفال الذي لا يدانيه في وحشيته وقسوته شيء .. وبدورها كانت " ماري " الصغيرة أكثر تنمرا وقسوة من رفاقها المشاكسين ، بيد أن الأمر كان مختلفا بالنسبة إليها ، كان الأطفال يكتفون بإلقاء الكلمات اللاذعة ،والسخريات المريرة ، والتعريض ببقع البول التي تلوث ملاءة السرير ، نشرتها أم " ماري " علنا ،معرضة بابنتها التي ( تفعلها ) في فراشها حتى الآن ، وربما تمادوا حتى مرحلة الإيذاء البدني البسيط ، رمي حجر أو قطعة حصى ، أو دس كسرات الزجاج الحادة في طريقها لكي تؤذيها ، كلمات جارحة وأفعال مؤذية ، لكنها لا تزال في مستوي ( الأفعال الطفولية ) ، مهما بلغت قسوتها ...

قضية " راشيل دوبكينز " The Murder of Rachel Dobkin.

  قضية قتل غريبة ومميزة اُرتكبت في خضم الحرب العالمية الثانية، والتي لم يتوقع أحد أن يتم الكشف عن مرتكبها نهائيا، بل ربما الجاني نفسه لم يتخيل أن القضية ستسجل كجريمة قتل عمد على الإطلاق . في البداية نقول أن الجاني كان ذكيا جدا، إذ أنتهز فرصة اشتداد الحرب العظمي الثانية، وازدياد عنف الغارات الألمانية على مدينة لندن، ليحاول اخفاء سر جريمته، التي أعتقد أنها يسوف تعتبر حالة وفاة ناجمة عن القصف الجوي، ولن تعلق به أية شبهة، تاريخيا تعرضت بريطانيا لسلسلة ممنهجة ومطردة من الغارات والهجمات الألمانية، التي ركزت جهودها على تدمير عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فبدأت القوات الجوية الألمانية من يوم 7 سبتمبر عام 1940 في قصف لندن في غارات منتظمة وكبيرة، مخلفة خسائر مهولة، وذلك تنفيذا لأوامر الفوهرر المتعلقة بذلك الأمر والتي صدرت قبلها بيوم واحد، وبلغ من عنف تلك الغارات وشدتها أنها تسببت فيما عرف بحريق لندن الثاني ( 29 ديسمبر 1940)، وقد بلغ من جسارة الألمان أنهم لم يتورعوا عن صب نيران طائراتهم على لندن حتى في وضح النهار، لكن وبداية من شهر نوفمبر 1940م أصبحت الغارات ليلية بشكل أساس...

الهفوة التي قضت على 22 مليون إنسان .. كيف أدي عناد رجل واحد إلي تحطيم العالم !!

  بعضُ الأخطاء التي وقعت كانت قدريةً بنسبة مائة في المائة, لم تكن ناجمة عن غباء أو خطأ في الإدراك لدى مقترفها, بل بشكل كامل هو تدبيرٌ من فعْل القضاء والقدر, وفي حالات معينة يكون هذا الخطأ سببًا ليس في دمارِ حياة إنسان ما وحسب, بل ربما- ولا سيَّما في حالتنا هذه- قد يكون سببًا في خراب العالم وتدمير حياة الملايين من الناس الأبرياء! أشهرُ هذه الأخطاء القدرية الصِّرفة هو الغلطة التي وقع فيها وليُّ عهد النمسا والمجر, الأميرُ المكروه الذي يتميز بالصَّلافة والغطرسة, وليّ العهد الذي وصلت إليه معضلةُ الوراثة دون انتظار, ولسبب جريمة غامضة وحادثة شهيرة حدثت لمن كان وريثًا شرعيًّا ومؤكدًا لعرش هذه الإمبراطورية, التي لم تعمِّر طويلًا, وحفل تاريخها بالمآسي والرزايا, واستكمالًا لتربُّص القدر بمملكة النمسا والمجر, وصلَ وليُّ العهد, الأرشيدوق "فرانز فرديناند" Archduke Franz Ferdinand 50 عامًا, وزوجته الأميرة "صوفي" Sophie , 46 عامًا, يوم 28 يونيو عام 1914م, إلى مدينة سراييفو, العاصمة الرسمية لإقليم البوسنة والهرسك, الذي كانت إمبراطورية النمسا تضع يدَها عليه, بمعنى أنَّ الزيارة كانت ...

معطف الحرب الأزرق ( قصة قصيرة )

    تسير وسطهم مرفوعة الرأس ، ترمق الطريق الملقي أمامها بنصف عين ، وعين ونصف عليهم .. كان مصيرها معروفا ونهايتها مكتوبة من قبل ، وقد تجرعتها ألوف النسوة قبلها .. خرجت من بيتها مرتدية آخر معطف عندها ، بلا قميص حقيقي تحته ، إنه صدر سترة أخيها وكمي زوجها الراحل ، المغدور الأول والمغدور الثاني ، القتيل الأول والقتيل الثاني ، من بين ألوف وملايين الأسماء .. ماذا كان اسميهما ؟! لعل أحدا لم يسأل هذا السؤال بينما كان يتم إلقائهما في حفرة ضحلة ، ورمي الجير فوق جثتيهما .. ولعلهما يرقدان في قبر واحد فقد ظلا دوما معا ! فقدت الأخ والزوج ، صديق الدم وصديق الرفقة والقلب ، صارت وحيدة وتهدمت المدينة فوق رأسها ، مثلما تهدم بيتها وسقط العالم مكوما فوق بعضه .. لماذا لا يموت الجميع في لحظة واحدة ؟! لماذا يبقي البعض ليدفن البعض ، ثم يلحق بهم بعد أوجاع وآلام ولحظات مريرة ، الجير الحي مخيف ، وطلقة في الرأس مخيفة ، لكن الوحدة وسط وحوش متربصة أكثر تخويفا وترهيبا ! هجر الجميع المدينة ، من بقي على قيد الحياة ، إن كان قد بقي أحد على قيد الحياة ، لا ينجو أحد من الحرب ، فيما عدا القتلى وحدهم ربما ، يعاين الأ...

القضية الغريبة ل " آلان روبيشو" ! The Mysterious Death of Allen Robicheaux

  بالرغم من أنَّ قصتنا هذه المرَّة لا تتضمن جريمةً بالمعنى المعروف, أي عدوان أو أذى من نوع ما يوقعه شخصٌ بشخص آخر؛ فإنها تضمَّنت لغزًا مروِّعًا احتاج لعشرين عامًا كاملة ليتم حلُّه, وتدميرًا لأسرة, وحياة بائسة لامرأة مسنَّة قضت نحبَها وهي لا تعرف أين زوجها, أو ماذا حصل له؟! إنَّ قضايا الاختفاء الغامض كثيرة, وتقريبًا تبدأ كلها بنفس الطريقة؛ يعود شخص ما إلى المنزل ليجد أحد أقاربه وقد اختفى, أو يخرج أحدهم في رحلة عملٍ أو نزهة ثمَّ ينقطع أثره, ولا يعرف أحدٌ أين ذهب. كان الشخص الذي اكتشفَ حالة الاختفاء هذه المرة هي الزوجة "لوسي ماي", سيدة في السبعينيات, تعيشُ في منزل بشارع فرانكلين/ جريتنا/ لوس أنجلوس, وكان من الواجب أن يكون زوجها "آلن روبيشو" Allen P. Robicheaux موجودًا بانتظارها يوم 15 ديسمبر 1973م عند عودتها من زيارة عائلية, لكنه لم يكن كذلك. انتظرت المرأة عودةَ زوجها لكنه لم يعدْ, لا في هذا اليوم, ولا فيما تلاه من أيام, فأينَ يمكن أن يكون الرجل ذو الثلاثة والسبعين عامًا قد اختفى؟! لم تكن هناك دلائلُ على حصول عنفٍ في المنزل, لا مذكرات تقول إنَّه ينوي مغادرة البيت لبضع...

الرجل الذي حول زوجته إلي نقانق !

  "لويزا بيكنيز"   Louisa Bicknese هي امرأةٌ أمريكية سيئةُ الحظ, في البداية بدَا وكأنها أكثرُ النساء حظًّا في العالم؛ إذْ تزوَّجت برجل مهاجر, ألماني الأصل, ورجلِ أعمال ثري, يملك أكبرَ مصنع للنقانق في شيكاغو. كان الزوج يدْعى "أدولف لوتجيرت" Adolph Louis Luetgert , وكان أرملَ معَ طفلين, تزوَّجته "لويزا" عام 1878م, وعاشا معًا حتى عام 1897م, حيث رزقَا بأربعة أطفال. كان للسيد "لوتجيرت" مصنعٌ شهير للنقانق, ولُقِّب بملك النقانق, لكن طباعه كانت سيئةً إلى حدٍّ ما, فقد كان عنيفًا تجاه زوجته, كما شوهِد ذاتَ مرَّة وهو يطاردها حاملًا مسدسًا. لكن على أي حال, ففي أوَّل أيام شهرِ مايو من ذلك العام خرجتِ الزوجة لزيارةِ أختها, وقال الأبُ ذلك لأطفاله حينما سألوا عنْ والدتهم في اليوم التّالي, غير أنَّ "لويزا" لم تعدْ من زيارة أختها مطلقًا. بدأتِ الشكوك والتساؤلات, ولاحقًا قامَ شقيق الزوجة المفقودة بالإبلاغ عن فقدانها. ثمَّ ظهرت أدلةٌ مقلقة حول تورُّط الزوج في مصاعبَ مالية, وعلاقته بأرملةٍ ثرية, مما دفع البعضَ إلى الاعتقاد بأنه تخلص من زوجته ليتزوَّج الأرم...