في الصباح الباكر كانت القطيطات الصغيرة تعاد إلي مكانها الأول ..عبر سطح المنزل والأسطح الملاصقة له قفزت الأم حاملة صغيراتها ، واحدة واحدة ، بين أنيابها الحنونة عليها وأخذت تعيدها إلي مهدها الأول ومسقط رأسها حتى انتهت من جمع شمل أطفالها تحت جناحها .. لم يذهب " عبد الله " بالجوال الحاوي للقطط الصغيرة إلي البحر ، لم يرمه هناك .. بل حمله إلي منزلهم وخبأه فوق سطوحهم وأبقي القطط هناك وخبأها خلف بعض الكراكيب القليلة الملقاة هنا وهناك فوق السطح ، وأبقاها هناك ليلعب بها أو معها قليلا حتى تكتشف أمه ، التي تكره القطط أكثر مما تكره المرض ، وتنهره فيضطر إلي جمعها ورميها بعيدا أرضاء لأمه النافرة أكثر من كل قطط العالم .. لكن كيف وصلت القطة المستوطنة فوق سطح منزل " أبو حمدي " إلي منزل أبا " عبد الله " الذي يقع في آخر الشارع وعرفت أن أولادها هناك ؟!
قد يقول قائل : شمت رائحتهم !
لا كان محالا أن تصل إليهم عن طريق الرائحة .. وإذا سلمنا بذلك فقد تمكنت من إعادتهم إلي موضعهم الأول وليس هناك طريق يربط بين السطحين المتباعدين ولا جدران متصلة ، متقاربة أو متباعدة ، تصل بينهما ؟!
لغز .. لكنه ليس أكثر إلغازا من سلوك الطفلين التوأم " أحمد " و" محمود " في اليوم التالي .. لقد أستيقظ الصغيرين صباحا يصرخان كأن عقرب قد لدغتهما !
كانت الأم لا تزال تحت وطأة دهشتها من سلوك ولديها الغريب الليلة الماضية .. لكن منظرهما وهما يصرخان هكذا أثار ليس مجرد المزيد من الدهشة بل كثير من الخوف والارتياع .. يبدو أن الولدين في حالة مرضية شديدة وربما يعانيان مغصا شديدا أو تقلصات أو تلبك معوي ، أو أي من تلك الأعراض التي تلازم الرضع المتعبين طوال فترة طفولتهم المبكرة المرهقة .. لم يصبر قلب الأم الرقيق علي تلك الصرخات فاتصلت بزوجها في عمله فورا وطلبت منه الحضور لاصطحابها هي والولدين إلي طبيب أطفال .. كان من الغريب أن يمرض الولدان معا وفي نفس الليلة , لكن الحقيقة أنه رغم صرخاتهما العالية المزعجة ، فإنه لم تكن هناك أي أعراض مرضية واضحة علي الصغيران .. فهما لا يتقيئان أو يعانيان إسهالا أو يسعلان أو يتلويان من آلام المعدة .. فقط يصرخان وحسب .. صراخ طويل متصل غير منقطع ولا تتخلله فترات هدوء أو هدنة من أي نوع ، وكأن الغلامان لا يتعبان !
جاء الأب علي عجل وحُمل الطفلان اللذان تنطلق أصواتهما كسارينة إسعاف جيدة ، بمعدل خمسمائة صرخة في الساعة بواسطة الأب والأم برفقتهما " جمال " العم الأصغر لهما ، وشقيق " حمدي " الطالب الجامعي المجتهد الذي يحلم بأن يصير طبيب بشري ..
وفي عيادة الطبيب التي لم تكن كثيفة الازدحام في مثل تلك الساعة المبكرة من الصباح وجد الزوج ثلاثة أسماء تتقدمهم في قائمة الكشوف ، لكن صراخ الولدين لم يكن من النوع الذي يمكن الصبر عليه مدة ساعة علي الأقل حتى ينتهي الطبيب من مناظرة الثلاث حالات المتقدمة .. لذلك دفع الأب الفاتورة مزدوجة وطلب كشفا مستعجلا وأستسمح الجالسين بأن يسمحوا لهم بالدخول أولا ، مستعينا بارتفاع صراخ التوأم الذي آثار الذعر والشفقة في قلوب جميع الحاضرين الذي حدثتهم أنفسهم بأن هذين الولدين يعانيان مرضا صعبا وحالتهما سيئة ومن الشهامة أن يسمحوا لهما بالدخول علي الطبيب أولا .. وقد كان !
دخل الأبوان بينما بقي " جمال " بالخارج منتظرا علي أحر من الجمر الاطمئنان علي صحة ولدي أخيه العزيزين .. لكن الغريب أن عملية الكشف علي التوأمين لم تستغرق سوي دقائق معدودة !
فحص الطبيب الشاب الوسيم ، ذو العينان الخضراوان والوجه الحليق الناعم ، " محمود " الذي كان صراخه أكثر ارتفاعا وحدة أولا ولم يجد أي شيء يسوء فيه .. فليست هناك أعراض لأمراض معروفة تصيب الرضع ، ولا أعراض لتشنجات حرارية أو التهابات مسالك بولية علوية أو سفلية ، ولا حتى أية أعراض مصاحبة لأمراض أكثر شيوعا وانتشارا بين تلك الفئة من الأطفال .. والثاني كان مشابها للأول في تشخيصه !
إذن لماذا لم يتوقفان عن الصراخ لحظة واحدة طوال الصباح .. لابد أن هناك سببا ما لكن الطبيب عجز عن التوصل إليه !
وإرضاء لنظرات الفزع والذعر المرتسمة في عيني الأبوين حديثا العهد بمتاعب الأمومة والأبوة ومشاكلها المزمنة التي لا تنتهي قرر الطبيب أخذ عينات من الطفلين لتحليلها عله يمسك بالسبب المجهول الذي يجعل قطعتي لحم غضتين صغيرتين تسببان كل هذه الجلبة والضجيج !
وكحل سريع للأزمة أوصي الطبيب في تذكرته بمسكن قوي ومهدئ عشبي معروف للأطفال يساعدهم علي النوم والاسترخاء !
...
في تلك الليلة ، وبعد أن هدأ الطفلين أخيرا وأخلدا للنوم كانت هناك تحركات مريبة تحدث فوق سطح المنزل .. كانت القطة الأم المستوطنة تحوط قططها الصغيرة تحت فراءها الكثيف لكن كان هناك دخيلين غير غريبين .. قطتين أكبر حجما من القطيطات الوليدة وأضخم جرما لكنهما رقيقتين كالملائكة .. لم تنفر منهما الأم كما يجب أن يحدث ، إذ إنها قد اعتادت ظهورهما وصارت تعتبرهما إلي حد ما ، من بين أسرتها الصغيرة .. كشرت القطة الكبيرة عن أنيابها للحظة محاولة طرد القطتين الوافدتين إن أمكن وأبعادهما ، لكنهما أبتا التحرك من مكانهما .. استسلمت الأم وأفسحت لهما مكانا وسط بناتها ، فرقدتا تحت جناحها وجاهدتا حتى وصلتا إلي أثدائها المترعة باللبن الدافئ ثم أآخذتا ترشفان لبنها بنهم .. تركتهما الأم ترضعان منها قليلا ثم تحركتا ، بعد أن شبعتا ، داعيتان إياها إلي اللحاق بهما ..
نظرت القطة الأم بترفع نحو الدخيلتين وبنظرتها أفهمتهما أنها لا تستطيع ترك صغيراتها بمفردها ، خشية أن يتعرضن لعدوان بشري جديد وتفقدهن للمرة الثانية .. لكن القطتين الوافدتين دعتاها إلي متابعتهما واعدتين إياها بثمرة شهية ..
تحركت الأم تاركة قططها في الظلام الآمن وتحركت في أعقاب القطتين .. قادتاها إلي أسفل علي السلم الخالي المظلم حتى وصلوا كلهم إلي الدور الأرضي .. كان المكان خال تماما وشبه مظلم لولا وجود نور ضعيف يشع في الصالة الخارجية تضعه الجدة كوناسة للطالع والنازل في ساعات الليل المتأخرة ..
وكان من حسن حظ القطط الغازية أن الهدف لم يكن موصد بالمفتاح ولا بقفل بل بمجرد سحب بابه إلي الخارج وإدارة الأوكرة المعدنية بلين .. دفعت القطتين الداعيتين الباب بقوة فأنفتح محدثا صوتا غير مدو بدرجة تدفع ساكني المنزل إلي الاستيقاظ .. ودخلتا ، تعقبهما القطة الأم ، إلي المطبخ المعتم تتسحبان برفق ثم تقدمتا بهدوء إلي الهدف النهائي المرجو .. الثلاجة !
كانت الثلاجة مكدسة تلك الليلة بالسمك النيئ المعد لطهيه وتقديمه في اليوم التالي .. كانت هناك كمية كبيرة من السمك بعضها موضوع في أكياس بلاستيكية مغلقة ومحفوظ في الفريزر ، وكمية أخري كانت موضوعة في طبق بلاستيك كبير ومتموضعة فوق أسلاك الشبكة أعلي الثرموستات مباشرة ، حيث أصرت الجدة علي تركها هناك ليفك تجميدها الشديد ليسهل قليه في الصباح ..
كان هذا الطبق البلاستيكي هو الهدف .. لكن كيف يمكن لبضع قطط أن يتمكنوا من فتح باب الثلاجة الموصد ؟!
طبعا هذا محال .. طبيعي .. لكن هذا عندما يكون الأمر طبيعيا أصلا !
...
تردد صوت يدل علي الانزعاج الشديد في أرجاء البيت :
" أيه ده .. بسم الله الرحمن الرحيم ! "
ردد صوت نسائي مسن فجاءت " مني " التي كانت تنظف أرضية الطرقة الخارجية بمكنسة مقصوفة اليد الخشبية جريا لتري ما يحدث .. كان الصوت صوت حماتها وكان آتيا من المطبخ الخاص بالدور الأرضي .. دخلت الأم الشابة لتجد أمامها منظرا من أغرب من رأته في حياتها .. كانت الثلاجة مفتوحة ، وليس هذا هو الغريب في الأمر ، لكن الفوضى العارمة المحيطة التي هناك .. كانت هناك أشلاء مبعثرة حول الثلاجة ، تبدو جليا كأشلاء السمك ، وطبق بلاستيكي كبير مقلوب علي حافته العلوية والسمك المأكول ونصف المأكول يحيط به .. ضربت " مني " علي صدرها دون وعي وصاحت :
" أيه ده يا ماما .. أيه اللي حصل ؟! "
ردت عليها الجدة بحدة ، ولكن خالية من الغضب :
" ولادك طبعا هو فيه غيرهم ؟! "
نظرت " مني " بدهشة حقيقية إلي حماتها وقالت له مستفهمة :
" ولادي ؟! مالهم عيالي ؟! "
" محدش يعمل كده غير القطتين بتوعك دول .. أكيد هما اللي فتحوا التلاجة وكلوا السمك ! "
لم تصدق " مني " حرفا ولها العذر :
" بقي ده معقول يا ماما ؟! "
بهدوء ، وهي تجمع أشلاء سمكاتها المغدورات المأكولات ، أجابت الجدة بتصديق كامل لما تعتقده :
" طبعا يعني هو في قطة عادية ربنا خلقها تعرف تفتح تلاجة يا بتي ؟! ده شغل بسم الله الرحمن .. قطط تانية ! "
طبعا لم يكن لدي والدة التوأم إي استعداد لتصديق هذه الإدعاءات الغريبة بشأن ولديها الصغيرين اللذين لم يكملا عاما ونصف من عمرهما المديد إن شاء الله :
" ما يمكن قطة من اللي ساكنين فوق السطح دول يا ماما .. وهما برضوا الأطفال دول يعرفوا يفتحوا تلاجة ؟! "
كانت حجة " مني " تبدو منطقية عقلانية مقنعة ، لكن لها وحدها ، فالحماة كانت تؤمن بما تدعيه إيمانا مطلقا ولديها حجج كافية للدفاع عن رأيها :
" ومين قالك إنهم بيبقوا أطفال لما بيبقوا قطط .. دي حاجة فوق علمنا يا بنتي ! روحي بصي علي ولادك كده ! "
كان طلبا غريبا .. لكن " مني " انصاعت فورا وركنت مقشتها ، التي كانت لا تزال ممسكة بها ، علي جانب وصعدت السلم لتطمئن علي طفليها النائمين في شقتها بالدور الثاني .. كان الطفلين نائمين بسلام كملاكين صغيرين .. نظرت إليهما طويلا ولمستهما برفق فلم يتحركا أو يضطرب نومهما العميق .. كانا راقدين في قلب فراشهما المزدوج وعلي وجهيهما علامات الصحة والشبع الكامل !
...
لكن كيف تمكنوا من فتح الثلاجة كانت تلك هي الهنة التي أفسدت قصة الجدة وجعلتها غير مقبولة أبدا .. وفي كل الأحوال آمنت هي بقصتها تماما بينما رفضها الآخرون ، وازدروها سرا ، تماما أيضا وبنفس القوة .. لكن الأحداث اللاحقة ، الأحداث الغريبة التي لم تدع لأحدهم فرصة لالتقاط أنفاسه جعلت الجميع يعيدون النظر فيما يصدقونه .. وفيما لا يرغبون بتصديقه كذلك !
...
كبر الطفلين يوما بعد يوم .. تفتحت زهورهما وتوهجت نيران صباهما المبكر الباردة الندية ، ورفرفت حولهما قلوب أبوان محبين وأهل يخافون عليهما نسمة هواء الشاردة أن تلامسهما بنزق .. لكن الطفلين نفسيهما لم يكونا يخافان شيئا !
كانا جسورين مقدامين لا يخشيان اقتحام أي شيء .. وقبل أن يتما عامهما الثاني كانت آثار معاركهما مع العالم ورحلاتهما لاستكشافه وسبر أغواره قد تناثرت في كل أنحاء جسديهما الصغيرين المكينين القويين .. كان التوءمان يتمتعان بجسدين نحيلين صلبين وكانت عظامها قوية ويتمتعان بمرونة هائلة وقدرة عجيبة علي الانزلاق عبر الأركان مهما كانت ضيقة أو مليئة ، ولم تكن أية عقبات مهما كان نوعها تحول بينهما وبين الانسلال إلي أي مكان يرغبان في الوصول إليه .. كانا ( قطط ) حقيقية كما تدعوهما جدتهما .. لكن كل ذلك لم يكن له أدني تأثير علي وجهات نظر الآخرين بشأن ما تعتقده الجدة العجوز حول الصغيرين المختلفين .. وماذا يعني أمر طفلين مختلفين قليلا عن سائر الأولاد ؟!
شيء لا يهم .. بيد أن أحداثا أخري قريبة ستحدث لتغير وجهات نظر الجميع .. فلقد صارت " مني " ، وبعد أن أتم الطفلان عامهما الثاني ، حاملا من جديد !
لم تكن الأم نفسها هي من اكتشفت الأمر ، أصلا هي لم يخطر ببالها إمكانية أن تنجب من جديد بعد مولد " أحمد " و" محمود " أكتفت بهما ، وأكتفي جميع من حولها كذلك ، ولم يفكر أحد ، حتى الحماة المتصلبة ، بالزن عليها لكي تحمل ثانية .. علي الأقل والطفلين في تلك المرحلة المبكرة من العمر ، لكن الأمر حدث دون تخطيط وتدبير .. لكن كيف عُرف الأمر .. إنهما الطفلين ببساطة !
في يوم عيد مولدهما الثاني تحديدا حدثت الواقعة الأولي .. كان الولدين قد نالا حفلا حقيقيا احتفاء بيوم مولدهما السعيد رغم أن تلك العادات لم تكن مما تعارف الناس في تلك المراكز الصعيدية عليه ، القليل من الناس هنا يحتفلون بأعياد ميلادهم أو ميلاد أبنائهم ، لكن أغلب تلك الحفلات ، إن حدثت أساسا ، تكون عائلية وفي أضيق الحدود ولا تتعدي شراء كعكة محلاة مزينة بالكريمة والشيكولاتة وقطع الفواكه ، تورتة ، وغرس شموعا بها وإطفائها بحضور الأبوين وقليل من الأقارب المقربين .. لكن " أحمد " و" محمود " كانا جد محظوظين ، فقد أشترت لهما عمتهما " صفاء " كعكتين كبيرتين ودستة شموع كاملة ونالا بعض الألعاب والثياب المهداة إليهما من جدهما وأعمامهما وأصدقاء الأب وجدتهما لأمهما .. وأقيم لهما حفل عيد ميلاد حقيقي تضمن الغناء وتقطيع التورتة ، بل والرقص البلدي أيضا .. حيث أصرت النساء علي أن ترقص الأم علي نغمات الطرب الشعبي احتفالا ببلوغ ولديها عامهما الثاني ، واستجابت " مني " الخجولة بطبعها للإلحاح النسوي الذي لا يتعب ، وعقدت طرحة حماتها بوسطها ورقصت قليلا ، ثم سلمت الراية لسلفتها " صفاء " ، التي وجدتها فرصة سانحة للتعبير عن مواهبها الفنية وإظهارها أمام النسوة الثرثارات اللائي تمت دعوتهن للحفل دون رغبة الجدة .. حتى الجدة نفسها ، فكت عن نفسها ، ودخلت في وصلة رقص وهي جالسة تعبيرا عن فرحتها بأحفادها ، ما لبثت أن أكملتها وقوفا ، حينما قامت النسوة بشدها وجذبها وأقسمن عليها بكل عزيز أن ترقص لتفرح ابنها وزوجته .. وبعد أن انتهت الحماة من وصلتها الراقصة كانت " مني " قد سخنت فنزلت الحلبة للمرة الثانية وأخذت تتفنن في تحريك أجزاء جسدها بطريقة ساحرة ، لكن تلك الوصلات السعيدة قوطعت فجأة وعلي نحو بالغ الغرابة .. فقد ترك " محمود " ، الذي ألبسته أمه وعمته هو وأخيه سترات أنيقة صغيرة وكرافتات حقيقية ، قطعة الجاتوه التي كان يلعقها بشغف ، ويحرص في نفس الوقت علي ألا يقضمها مباشرة ، ونزل من فوق حجر جدته التي كانت تطوقه بذراعيها .. غاص وسط النساء ، حتى ظنت بعض من أنتبهن إليه ، أنه يريد أن يرقص مثلما تفعل أمه ، وفعلا أقترب الولد من أمه بطريقة لا تثير أي ريبة .. ثم فجأة ، وبطريقة مثيرة للدهشة والذعر ، أندفع نحو أمه التي كان جسدها يتطوح في الهواء ونطحها برأسه في بطنها بقوة ، فدفعها للخلف وأسقطها علي ظهرها !
سقطت " مني " علي ظهرها فأحست بألم شديد مفاجئ وبهتت النسوة المحتشدات حولها من وقع المفاجأة .. مرت لحظة صمت طويلة ، ومع ذلك أستمر المطرب الشعبي في التعبير عن أحزانه السقيمة التي لا تستقيم مع الموسيقي الصادحة الراقصة التي تصاحب كلماته التي لم يكن أغلبها مفهوما أو له معني ، وكفت النسوة عن التصفيق وخرست الزغاريد للحظة .. رفعت الأم الشابة رأسها وتحسست جسدها ببطء ونظرت بدهشة إلي طفلها الذي كان واقفا علي بعد سنتيمترات منها ينظر إليها بصمت وإصرار وهدوء .. أخيرا تحدثت العمة التي اقتربت من زوجة أخيها الساقطة أرضا وشدت في طريقها الولد وأبعدته جانبا :
" بسم الله عليكي يا أختي .. قومي قومي متخافيش ! "
لكن " مني " لم تقدر علي النهوض بسهولة بل كل ما قدرت عليه أن ترفع جذعها قليلا عن الأرض .. تحركت الجدة وسحبت الغلام بعيدا ، بينما كانت الضيفات ينظرن إليه بدهشة شديدة ، بينما طوقت " صفاء " زوجة أخيها بذراعيها وأخذت تعاونها علي النهوض .. أخيرا تحركت بقية النسوة وأحطن بالأم الشابة وساعدنها علي النهوض وترتيب ثيابها ، وقامت بعضهن بلم شعرها الذي انفكت عقدته ، عندما سقطت علي الأرض وسقطت بنسة الشعر التي كانت تجمعه بها ، وجمعنه وألقينه علي كتفها ، وفككن الإيشارب الذي يطوق وسطها وحررن جسدها من ضغطه .. لكن " مني " لم تكن واعية لشيء مما يحدث حولها أو يُفعل بها .. فقد نهضت متعبة والدنيا تدور من حولها وما لبثت أن سقطت بين أيدي النسوة فاقدة الوعي !
لأول مرة منذ مولدهما يتعرض التوءمين أو أحدهما للنهر والزجر والتعنيف .. فالأب الغاضب علي ما فعله الصغير العابث بأمه لم يتواني عن زجر الولد ، حينما جاء علي عجل ليحمل زوجته المتهاوية الفاقدة الوعي ، إلي الطابق العلوي ليرقدوها هناك ويحاولوا إفاقتها ، بل ولطشه صفعتين محترمتين جديرتين بتعليمه الأدب لسنوات طويلة قادمة ، ورغم تصدر جدته للدفاع عن الغلام الصغير وسوقها للحجة العادية المعروفة :
" معلش يا ولدي معلش .. ده عيل وميعرفش ! "
لكن الأب أبعد يد أمه الممسكة بذراعه لتمنعه من أن يكمل علي الولد بعصبية وصاح بقسوة :
" كبرت علته بلا عيل .. ده عيل قليل الأدب ومجرم ! "
لكن غضب الأب ما لبث أن أنفثأ عندما غلبته عاطفته الأبوية ناحية طفله الصغير ، واقتناعه الداخلي بأنه فعلا ( عيل وميعرفش ) ، واستدار الأب للأهم وهو استقبال الطبيب الذي أحضروه للكشف علي زوجته فاقدة الوعي والتي فشلوا في أفاقتها بالوسائل التقليدية والحيل التي جربتها " صفاء " وكم فتاة من الحاضرات .. وجيء بطبيب قريب بعد أن دُفعت له تذكرة كشف مزدوجة .. ونقلوا الزوجة إلي غرفة كبيرة مفروشة جيدا في الطابق السفلي ، بعد المندرة مباشرة ، وبقيت معها حماتها وسلفتها " صفاء " وفتاة قريبة لهم ، طالبة جامعية وزميلة " صفاء " اسمها " رانيا " ، وعندما حضر الطبيب أدخلوه إلي الحجرة ثم تُرك فيها برفقة النسوة الثلاث والأم الشابة فاقدة الوعي .. وكما يحدث في الأفلام العربية التي حمضت قصصها وتفاصيلها من كثرة استخدامها وإعادتها ، خرج الطبيب مبتسما ليعلن أن " مني " حامل في شهورها الأولي .. زغردت الجدة فورا وتبعتها امرأة سمراء شديدة البدانة تدعي " أم حسن " ، وهي قريبة لهم من الدرجة الثانية ، ثم أخذت الجدة تكبر وتخمس23 سرا في أوجه النسوة المحتشدات في الديوان الخارجي لتدرأ عيونهن الحاسدة عن زوجة ابنها التي ستأتي بالثالث خلال شهور ..
لكن الغريب في الأمر أن الطفلين ، " أحمد " و" محمود " ، الذين كانا يجلسان علي حجر جدهما في المندرة ولا يكفان عن دفع وضرب بعضهما البعض ، خيم عليهما الصمت فور خروج الطبيب من الحجرة التي ترقد فيها أمهما .. ورغم أنهما لم يكونا في موضع يمكنهما من سماع البشري التي يزفها الطبيب إلا أنهما بدا وكأنهما يعرفان ما سوف يقوله .. فصمتا مليا وكفا عن التضارب الخفي ثم اندفعا فجأة ، وفي ذات اللحظة ، يبكيان ويصرخان بعنف وبصوت مدوي !
23 تخمس : تفرد أصابعها الخمسة في وجه من تخاف نظراته الحاسدة.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق