التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المتحولون ( رواية مسلسلة ) الفصل السابع

 

في الصباح الباكر كانت القطيطات الصغيرة تعاد إلي مكانها الأول ..عبر سطح المنزل والأسطح الملاصقة له قفزت الأم حاملة صغيراتها ، واحدة واحدة ، بين أنيابها الحنونة عليها وأخذت تعيدها إلي مهدها الأول ومسقط رأسها حتى انتهت من جمع شمل أطفالها تحت جناحها .. لم يذهب " عبد الله " بالجوال الحاوي للقطط الصغيرة إلي البحر ، لم يرمه هناك .. بل حمله إلي منزلهم وخبأه فوق سطوحهم وأبقي القطط هناك وخبأها خلف بعض الكراكيب القليلة الملقاة هنا وهناك فوق السطح ، وأبقاها هناك ليلعب بها أو معها قليلا حتى تكتشف أمه ، التي تكره القطط أكثر مما تكره المرض ، وتنهره فيضطر إلي جمعها ورميها بعيدا أرضاء لأمه النافرة أكثر من كل قطط العالم .. لكن كيف وصلت القطة المستوطنة فوق سطح منزل " أبو حمدي " إلي منزل أبا " عبد الله " الذي يقع في آخر الشارع وعرفت أن أولادها هناك ؟!

قد يقول قائل : شمت رائحتهم !

لا كان محالا أن تصل إليهم عن طريق الرائحة .. وإذا سلمنا بذلك فقد تمكنت من إعادتهم إلي موضعهم الأول وليس هناك طريق يربط بين السطحين المتباعدين ولا جدران متصلة ، متقاربة أو متباعدة ، تصل بينهما ؟!

لغز .. لكنه ليس أكثر إلغازا من سلوك الطفلين التوأم " أحمد " و" محمود " في اليوم التالي .. لقد أستيقظ الصغيرين صباحا يصرخان كأن عقرب قد لدغتهما !

كانت الأم لا تزال تحت وطأة دهشتها من سلوك ولديها الغريب الليلة الماضية .. لكن منظرهما وهما يصرخان هكذا أثار ليس مجرد المزيد من الدهشة بل كثير من الخوف والارتياع .. يبدو أن الولدين في حالة مرضية شديدة وربما يعانيان مغصا شديدا أو تقلصات أو تلبك معوي ، أو أي من تلك الأعراض التي تلازم الرضع المتعبين طوال فترة طفولتهم المبكرة المرهقة .. لم يصبر قلب الأم الرقيق علي تلك الصرخات فاتصلت بزوجها في عمله فورا وطلبت منه الحضور لاصطحابها هي والولدين إلي طبيب أطفال .. كان من الغريب أن يمرض الولدان معا وفي نفس الليلة , لكن الحقيقة أنه رغم صرخاتهما العالية المزعجة ، فإنه لم تكن هناك أي أعراض مرضية واضحة علي الصغيران .. فهما لا يتقيئان أو يعانيان إسهالا أو يسعلان أو يتلويان من آلام المعدة .. فقط يصرخان وحسب .. صراخ طويل متصل غير منقطع ولا تتخلله فترات هدوء أو هدنة من أي نوع ، وكأن الغلامان لا يتعبان !

جاء الأب علي عجل وحُمل الطفلان اللذان تنطلق أصواتهما كسارينة إسعاف جيدة ، بمعدل خمسمائة صرخة في الساعة بواسطة الأب والأم برفقتهما " جمال " العم الأصغر لهما ، وشقيق " حمدي " الطالب الجامعي المجتهد الذي يحلم بأن يصير طبيب بشري ..

وفي عيادة الطبيب التي لم تكن كثيفة الازدحام في مثل تلك الساعة المبكرة من الصباح وجد الزوج ثلاثة أسماء تتقدمهم في قائمة الكشوف ، لكن صراخ الولدين لم يكن من النوع الذي يمكن الصبر عليه مدة ساعة علي الأقل حتى ينتهي الطبيب من مناظرة الثلاث حالات المتقدمة .. لذلك دفع الأب الفاتورة مزدوجة وطلب كشفا مستعجلا وأستسمح الجالسين بأن يسمحوا لهم بالدخول أولا ، مستعينا بارتفاع صراخ التوأم الذي آثار الذعر والشفقة في قلوب جميع الحاضرين الذي حدثتهم أنفسهم بأن هذين الولدين يعانيان مرضا صعبا وحالتهما سيئة ومن الشهامة أن يسمحوا لهما بالدخول علي الطبيب أولا .. وقد كان !

دخل الأبوان بينما بقي " جمال " بالخارج منتظرا علي أحر من الجمر الاطمئنان علي صحة ولدي أخيه العزيزين .. لكن الغريب أن عملية الكشف علي التوأمين لم تستغرق سوي دقائق معدودة !

فحص الطبيب الشاب الوسيم ، ذو العينان الخضراوان والوجه الحليق الناعم ، " محمود " الذي كان صراخه أكثر ارتفاعا وحدة أولا ولم يجد أي شيء يسوء فيه .. فليست هناك أعراض لأمراض معروفة تصيب الرضع ، ولا أعراض لتشنجات حرارية أو التهابات مسالك بولية علوية أو سفلية ، ولا حتى أية أعراض مصاحبة لأمراض أكثر شيوعا وانتشارا بين تلك الفئة من الأطفال .. والثاني كان مشابها للأول في تشخيصه !

إذن لماذا لم يتوقفان عن الصراخ لحظة واحدة طوال الصباح .. لابد أن هناك سببا ما لكن الطبيب عجز عن التوصل إليه !

وإرضاء لنظرات الفزع والذعر المرتسمة في عيني الأبوين حديثا العهد بمتاعب الأمومة والأبوة ومشاكلها المزمنة التي لا تنتهي قرر الطبيب أخذ عينات من الطفلين لتحليلها عله يمسك بالسبب المجهول الذي يجعل قطعتي لحم غضتين صغيرتين تسببان كل هذه الجلبة والضجيج !

وكحل سريع للأزمة أوصي الطبيب في تذكرته بمسكن قوي ومهدئ عشبي معروف للأطفال يساعدهم علي النوم والاسترخاء !

...

في تلك الليلة ، وبعد أن هدأ الطفلين أخيرا وأخلدا للنوم كانت هناك تحركات مريبة تحدث فوق سطح المنزل .. كانت القطة الأم المستوطنة تحوط قططها الصغيرة تحت فراءها الكثيف لكن كان هناك دخيلين غير غريبين .. قطتين أكبر حجما من القطيطات الوليدة وأضخم جرما لكنهما رقيقتين كالملائكة .. لم تنفر منهما الأم كما يجب أن يحدث ، إذ إنها قد اعتادت ظهورهما وصارت تعتبرهما إلي حد ما ، من بين أسرتها الصغيرة .. كشرت القطة الكبيرة عن أنيابها للحظة محاولة طرد القطتين الوافدتين إن أمكن وأبعادهما ، لكنهما أبتا التحرك من مكانهما .. استسلمت الأم وأفسحت لهما مكانا وسط بناتها ، فرقدتا تحت جناحها وجاهدتا حتى وصلتا إلي أثدائها المترعة باللبن الدافئ ثم أآخذتا ترشفان لبنها بنهم .. تركتهما الأم ترضعان منها قليلا ثم تحركتا ، بعد أن شبعتا ، داعيتان إياها إلي اللحاق بهما ..

نظرت القطة الأم بترفع نحو الدخيلتين وبنظرتها أفهمتهما أنها لا تستطيع ترك صغيراتها بمفردها ، خشية أن يتعرضن لعدوان بشري جديد وتفقدهن للمرة الثانية .. لكن القطتين الوافدتين دعتاها إلي متابعتهما واعدتين إياها بثمرة شهية ..

تحركت الأم تاركة قططها في الظلام الآمن وتحركت في أعقاب القطتين .. قادتاها إلي أسفل علي السلم الخالي المظلم حتى وصلوا كلهم إلي الدور الأرضي .. كان المكان خال تماما وشبه مظلم لولا وجود نور ضعيف يشع في الصالة الخارجية تضعه الجدة كوناسة للطالع والنازل في ساعات الليل المتأخرة ..

وكان من حسن حظ القطط الغازية أن الهدف لم يكن موصد بالمفتاح ولا بقفل بل بمجرد سحب بابه إلي الخارج وإدارة الأوكرة المعدنية بلين .. دفعت القطتين الداعيتين الباب بقوة فأنفتح محدثا صوتا غير مدو بدرجة تدفع ساكني المنزل إلي الاستيقاظ .. ودخلتا ، تعقبهما القطة الأم ، إلي المطبخ المعتم تتسحبان برفق ثم تقدمتا بهدوء إلي الهدف النهائي المرجو .. الثلاجة !

كانت الثلاجة مكدسة تلك الليلة بالسمك النيئ المعد لطهيه وتقديمه في اليوم التالي .. كانت هناك كمية كبيرة من السمك بعضها موضوع في أكياس بلاستيكية مغلقة ومحفوظ في الفريزر ، وكمية أخري كانت موضوعة في طبق بلاستيك كبير ومتموضعة فوق أسلاك الشبكة أعلي الثرموستات مباشرة ، حيث أصرت الجدة علي تركها هناك ليفك تجميدها الشديد ليسهل قليه في الصباح ..

كان هذا الطبق البلاستيكي هو الهدف .. لكن كيف يمكن لبضع قطط أن يتمكنوا من فتح باب الثلاجة الموصد ؟!

طبعا هذا محال .. طبيعي .. لكن هذا عندما يكون الأمر طبيعيا أصلا !

...

تردد صوت يدل علي الانزعاج الشديد في أرجاء البيت :

" أيه ده .. بسم الله الرحمن الرحيم ! "

ردد صوت نسائي مسن فجاءت " مني " التي كانت تنظف أرضية الطرقة الخارجية بمكنسة مقصوفة اليد الخشبية جريا لتري ما يحدث .. كان الصوت صوت حماتها وكان آتيا من المطبخ الخاص بالدور الأرضي .. دخلت الأم الشابة لتجد أمامها منظرا من أغرب من رأته في حياتها .. كانت الثلاجة مفتوحة ، وليس هذا هو الغريب في الأمر ، لكن الفوضى العارمة المحيطة التي هناك .. كانت هناك أشلاء مبعثرة حول الثلاجة ، تبدو جليا كأشلاء السمك ، وطبق بلاستيكي كبير مقلوب علي حافته العلوية والسمك المأكول ونصف المأكول يحيط به .. ضربت " مني " علي صدرها دون وعي وصاحت :

" أيه ده يا ماما .. أيه اللي حصل ؟! "

ردت عليها الجدة بحدة ، ولكن خالية من الغضب :

" ولادك طبعا هو فيه غيرهم ؟! "

نظرت " مني " بدهشة حقيقية إلي حماتها وقالت له مستفهمة :

" ولادي ؟! مالهم عيالي ؟! "

" محدش يعمل كده غير القطتين بتوعك دول .. أكيد هما اللي فتحوا التلاجة وكلوا السمك ! "

لم تصدق " مني " حرفا ولها العذر :

" بقي ده معقول يا ماما ؟! "

بهدوء ، وهي تجمع أشلاء سمكاتها المغدورات المأكولات ، أجابت الجدة بتصديق كامل لما تعتقده :

" طبعا يعني هو في قطة عادية ربنا خلقها تعرف تفتح تلاجة يا بتي ؟! ده شغل بسم الله الرحمن .. قطط تانية ! "

طبعا لم يكن لدي والدة التوأم إي استعداد لتصديق هذه الإدعاءات الغريبة بشأن ولديها الصغيرين اللذين لم يكملا عاما ونصف من عمرهما المديد إن شاء الله :

" ما يمكن قطة من اللي ساكنين فوق السطح دول يا ماما .. وهما برضوا الأطفال دول يعرفوا يفتحوا تلاجة ؟! "

كانت حجة " مني " تبدو منطقية عقلانية مقنعة ، لكن لها وحدها ، فالحماة كانت تؤمن بما تدعيه إيمانا مطلقا ولديها حجج كافية للدفاع عن رأيها :

" ومين قالك إنهم بيبقوا أطفال لما بيبقوا قطط .. دي حاجة فوق علمنا يا بنتي ! روحي بصي علي ولادك كده ! "

كان طلبا غريبا .. لكن " مني " انصاعت فورا وركنت مقشتها ، التي كانت لا تزال ممسكة بها ، علي جانب وصعدت السلم لتطمئن علي طفليها النائمين في شقتها بالدور الثاني .. كان الطفلين نائمين بسلام كملاكين صغيرين .. نظرت إليهما طويلا ولمستهما برفق فلم يتحركا أو يضطرب نومهما العميق .. كانا راقدين في قلب فراشهما المزدوج وعلي وجهيهما علامات الصحة والشبع الكامل !

...

لكن كيف تمكنوا من فتح الثلاجة كانت تلك هي الهنة التي أفسدت قصة الجدة وجعلتها غير مقبولة أبدا .. وفي كل الأحوال آمنت هي بقصتها تماما بينما رفضها الآخرون ، وازدروها سرا ، تماما أيضا وبنفس القوة .. لكن الأحداث اللاحقة ، الأحداث الغريبة التي لم تدع لأحدهم فرصة لالتقاط أنفاسه جعلت الجميع يعيدون النظر فيما يصدقونه .. وفيما لا يرغبون بتصديقه كذلك !

...

كبر الطفلين يوما بعد يوم .. تفتحت زهورهما وتوهجت نيران صباهما المبكر الباردة الندية ، ورفرفت حولهما قلوب أبوان محبين وأهل يخافون عليهما نسمة هواء الشاردة أن تلامسهما بنزق .. لكن الطفلين نفسيهما لم يكونا يخافان شيئا !

كانا جسورين مقدامين لا يخشيان اقتحام أي شيء .. وقبل أن يتما عامهما الثاني كانت آثار معاركهما مع العالم ورحلاتهما لاستكشافه وسبر أغواره قد تناثرت في كل أنحاء جسديهما الصغيرين المكينين القويين .. كان التوءمان يتمتعان بجسدين نحيلين صلبين وكانت عظامها قوية ويتمتعان بمرونة هائلة وقدرة عجيبة علي الانزلاق عبر الأركان مهما كانت ضيقة أو مليئة ، ولم تكن أية عقبات مهما كان نوعها تحول بينهما وبين الانسلال إلي أي مكان يرغبان في الوصول إليه .. كانا ( قطط ) حقيقية كما تدعوهما جدتهما .. لكن كل ذلك لم يكن له أدني تأثير علي وجهات نظر الآخرين بشأن ما تعتقده الجدة العجوز حول الصغيرين المختلفين .. وماذا يعني أمر طفلين مختلفين قليلا عن سائر الأولاد ؟!

شيء لا يهم .. بيد أن أحداثا أخري قريبة ستحدث لتغير وجهات نظر الجميع .. فلقد صارت " مني " ، وبعد أن أتم الطفلان عامهما الثاني ، حاملا من جديد !

لم تكن الأم نفسها هي من اكتشفت الأمر ، أصلا هي لم يخطر ببالها إمكانية أن تنجب من جديد بعد مولد " أحمد " و" محمود " أكتفت بهما ، وأكتفي جميع من حولها كذلك ، ولم يفكر أحد ، حتى الحماة المتصلبة ، بالزن عليها لكي تحمل ثانية .. علي الأقل والطفلين في تلك المرحلة المبكرة من العمر ، لكن الأمر حدث دون تخطيط وتدبير .. لكن كيف عُرف الأمر .. إنهما الطفلين ببساطة !

في يوم عيد مولدهما الثاني تحديدا حدثت الواقعة الأولي .. كان الولدين قد نالا حفلا حقيقيا احتفاء بيوم مولدهما السعيد رغم أن تلك العادات لم تكن مما تعارف الناس في تلك المراكز الصعيدية عليه ، القليل من الناس هنا يحتفلون بأعياد ميلادهم أو ميلاد أبنائهم ، لكن أغلب تلك الحفلات ، إن حدثت أساسا ، تكون عائلية وفي أضيق الحدود ولا تتعدي شراء كعكة محلاة مزينة بالكريمة والشيكولاتة وقطع الفواكه ، تورتة ، وغرس شموعا بها وإطفائها بحضور الأبوين وقليل من الأقارب المقربين .. لكن " أحمد " و" محمود " كانا جد محظوظين ، فقد أشترت لهما عمتهما " صفاء " كعكتين كبيرتين ودستة شموع كاملة ونالا بعض الألعاب والثياب المهداة إليهما من جدهما وأعمامهما وأصدقاء الأب وجدتهما لأمهما .. وأقيم لهما حفل عيد ميلاد حقيقي تضمن الغناء وتقطيع التورتة ، بل والرقص البلدي أيضا .. حيث أصرت النساء علي أن ترقص الأم علي نغمات الطرب الشعبي احتفالا ببلوغ ولديها عامهما الثاني ، واستجابت " مني " الخجولة بطبعها للإلحاح النسوي الذي لا يتعب ، وعقدت طرحة حماتها بوسطها ورقصت قليلا ، ثم سلمت الراية لسلفتها " صفاء " ، التي وجدتها فرصة سانحة للتعبير عن مواهبها الفنية وإظهارها أمام النسوة الثرثارات اللائي تمت دعوتهن للحفل دون رغبة الجدة .. حتى الجدة نفسها ، فكت عن نفسها ، ودخلت في وصلة رقص وهي جالسة تعبيرا عن فرحتها بأحفادها ، ما لبثت أن أكملتها وقوفا ، حينما قامت النسوة بشدها وجذبها وأقسمن عليها بكل عزيز أن ترقص لتفرح ابنها وزوجته .. وبعد أن انتهت الحماة من وصلتها الراقصة كانت " مني " قد سخنت فنزلت الحلبة للمرة الثانية وأخذت تتفنن في تحريك أجزاء جسدها بطريقة ساحرة ، لكن تلك الوصلات السعيدة قوطعت فجأة وعلي نحو بالغ الغرابة .. فقد ترك " محمود " ، الذي ألبسته أمه وعمته هو وأخيه سترات أنيقة صغيرة وكرافتات حقيقية ، قطعة الجاتوه التي كان يلعقها بشغف ، ويحرص في نفس الوقت علي ألا يقضمها مباشرة ، ونزل من فوق حجر جدته التي كانت تطوقه بذراعيها .. غاص وسط النساء ، حتى ظنت بعض من أنتبهن إليه ، أنه يريد أن يرقص مثلما تفعل أمه ، وفعلا أقترب الولد من أمه بطريقة لا تثير أي ريبة .. ثم فجأة ، وبطريقة مثيرة للدهشة والذعر ، أندفع نحو أمه التي كان جسدها يتطوح في الهواء ونطحها برأسه في بطنها بقوة ، فدفعها للخلف وأسقطها علي ظهرها !

سقطت " مني " علي ظهرها فأحست بألم شديد مفاجئ وبهتت النسوة المحتشدات حولها من وقع المفاجأة .. مرت لحظة صمت طويلة ، ومع ذلك أستمر المطرب الشعبي في التعبير عن أحزانه السقيمة التي لا تستقيم مع الموسيقي الصادحة الراقصة التي تصاحب كلماته التي لم يكن أغلبها مفهوما أو له معني ، وكفت النسوة عن التصفيق وخرست الزغاريد للحظة .. رفعت الأم الشابة رأسها وتحسست جسدها ببطء ونظرت بدهشة إلي طفلها الذي كان واقفا علي بعد سنتيمترات منها ينظر إليها بصمت وإصرار وهدوء .. أخيرا تحدثت العمة التي اقتربت من زوجة أخيها الساقطة أرضا وشدت في طريقها الولد وأبعدته جانبا :

" بسم الله عليكي يا أختي .. قومي قومي متخافيش ! "

لكن " مني " لم تقدر علي النهوض بسهولة بل كل ما قدرت عليه أن ترفع جذعها قليلا عن الأرض .. تحركت الجدة وسحبت الغلام بعيدا ، بينما كانت الضيفات ينظرن إليه بدهشة شديدة ، بينما طوقت " صفاء " زوجة أخيها بذراعيها وأخذت تعاونها علي النهوض .. أخيرا تحركت بقية النسوة وأحطن بالأم الشابة وساعدنها علي النهوض وترتيب ثيابها ، وقامت بعضهن بلم شعرها الذي انفكت عقدته ، عندما سقطت علي الأرض وسقطت بنسة الشعر التي كانت تجمعه بها ، وجمعنه وألقينه علي كتفها ، وفككن الإيشارب الذي يطوق وسطها وحررن جسدها من ضغطه .. لكن " مني " لم تكن واعية لشيء مما يحدث حولها أو يُفعل بها .. فقد نهضت متعبة والدنيا تدور من حولها وما لبثت أن سقطت بين أيدي النسوة فاقدة الوعي !

لأول مرة منذ مولدهما يتعرض التوءمين أو أحدهما للنهر والزجر والتعنيف .. فالأب الغاضب علي ما فعله الصغير العابث بأمه لم يتواني عن زجر الولد ، حينما جاء علي عجل ليحمل زوجته المتهاوية الفاقدة الوعي ، إلي الطابق العلوي ليرقدوها هناك ويحاولوا إفاقتها ، بل ولطشه صفعتين محترمتين جديرتين بتعليمه الأدب لسنوات طويلة قادمة ، ورغم تصدر جدته للدفاع عن الغلام الصغير وسوقها للحجة العادية المعروفة :

" معلش يا ولدي معلش .. ده عيل وميعرفش ! "

لكن الأب أبعد يد أمه الممسكة بذراعه لتمنعه من أن يكمل علي الولد بعصبية وصاح بقسوة :

" كبرت علته بلا عيل .. ده عيل قليل الأدب ومجرم ! "

لكن غضب الأب ما لبث أن أنفثأ عندما غلبته عاطفته الأبوية ناحية طفله الصغير ، واقتناعه الداخلي بأنه فعلا ( عيل وميعرفش ) ، واستدار الأب للأهم وهو استقبال الطبيب الذي أحضروه للكشف علي زوجته فاقدة الوعي والتي فشلوا في أفاقتها بالوسائل التقليدية والحيل التي جربتها " صفاء " وكم فتاة من الحاضرات .. وجيء بطبيب قريب بعد أن دُفعت له تذكرة كشف مزدوجة .. ونقلوا الزوجة إلي غرفة كبيرة مفروشة جيدا في الطابق السفلي ، بعد المندرة مباشرة ، وبقيت معها حماتها وسلفتها " صفاء " وفتاة قريبة لهم ، طالبة جامعية وزميلة " صفاء " اسمها " رانيا " ، وعندما حضر الطبيب أدخلوه إلي الحجرة ثم تُرك فيها برفقة النسوة الثلاث والأم الشابة فاقدة الوعي .. وكما يحدث في الأفلام العربية التي حمضت قصصها وتفاصيلها من كثرة استخدامها وإعادتها ، خرج الطبيب مبتسما ليعلن أن " مني " حامل في شهورها الأولي .. زغردت الجدة فورا وتبعتها امرأة سمراء شديدة البدانة تدعي " أم حسن " ، وهي قريبة لهم من الدرجة الثانية ، ثم أخذت الجدة تكبر وتخمس23 سرا في أوجه النسوة المحتشدات في الديوان الخارجي لتدرأ عيونهن الحاسدة عن زوجة ابنها التي ستأتي بالثالث خلال شهور ..

لكن الغريب في الأمر أن الطفلين ، " أحمد " و" محمود " ، الذين كانا يجلسان علي حجر جدهما في المندرة ولا يكفان عن دفع وضرب بعضهما البعض ، خيم عليهما الصمت فور خروج الطبيب من الحجرة التي ترقد فيها أمهما .. ورغم أنهما لم يكونا في موضع يمكنهما من سماع البشري التي يزفها الطبيب إلا أنهما بدا وكأنهما يعرفان ما سوف يقوله .. فصمتا مليا وكفا عن التضارب الخفي ثم اندفعا فجأة ، وفي ذات اللحظة ، يبكيان ويصرخان بعنف وبصوت مدوي !

23 تخمس : تفرد أصابعها الخمسة في وجه من تخاف نظراته الحاسدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لويز بيت، دوقة الموت : السفاحة المبتسمة ! Louise Peete: Duchess of Death

  لويز بيت .. بدموعها خدعت قضاة ومحلفين ومحققين ! النشأة الأولي : سرقة وعهر : جنوح مبكر ! جاءت " لوفي لويز بريسلار إلي الحياة في يوم 20 سبتمبر 1880 ، في مدينة " بينفيل " بولاية لويزيانا الأمريكية لأب ثري يعمل ناشرا ولديه صحيفة خاصة .. وقد كان والداها مثقفين ومن الطراز المثالي ، ولكن الفتاة التي ألٌحقت بمدرسة خاصة في ( نيوأورليانز ) قد تم طردها من المدرسة وهي بعمر الخامسة عشرة لسببين هما : السرقة وسلوك مسلك غير أخلاقي .. فقد كانت الفتاة المثقفة الثرية تمتهن البغاء في أوقات الفراغ ! جنوح مبكر وعجيب وغير مبرر إطلاقا . وكانت " لويز " غاوية للرجال فلم تستطع أن تبقي بدونهم طويلا ، وعندما وصلت إلي سن الثالثة والعشرين ، أي في عام 1903 ، تزوجت من بائع متجول يدعي " هنري بوسلي " ، وبقيا معها ثلاث سنوات ، انتهت بأن أطلق الزوج النار على رأسه ! والسبب أنه وجد زوجته المصونة برفقة رجل آخر في الفراش ، فلما واجهها كلمته ببرود وسماجة ، وثبت أنها لا تشعر إطلاقا بجريمة الخيانة التي ارتكبتها .. وأمام برودها أحترق الزوج داخليا فلم يجد حلا يريحه سوي الانتحار ...

أكبر من أن يكون ملاكا !!

  لمعت نظرة مريبة في عينيها وهي تراقب الصغير يلهو أمامها ، لم تكن هي بدورها إلا صغيرة مثله ، طفلة لم تتعد أعوامها الإحدى عشرة ، ولم تقفز بعد فوق حاجز شرود الطفولة ونزق الطبيعة الثائرة ، التي تتمشي ف هوادة ، في العروق البارزة ، ملامح رقيقة ، لكن غموضها أضفي عليها طابعا يبعدها عن القلوب ولا يقربها ، كان لها رفاق بالطبع لكنهم كانوا رفاق ضراء لا سراء ، كل مهمتهم أن يوسعوا الصغيرة سخرية ، وأن يتهكموا عليها بكل ما أوتوا من قوة ، تنمر الأطفال الذي لا يدانيه في وحشيته وقسوته شيء .. وبدورها كانت " ماري " الصغيرة أكثر تنمرا وقسوة من رفاقها المشاكسين ، بيد أن الأمر كان مختلفا بالنسبة إليها ، كان الأطفال يكتفون بإلقاء الكلمات اللاذعة ،والسخريات المريرة ، والتعريض ببقع البول التي تلوث ملاءة السرير ، نشرتها أم " ماري " علنا ،معرضة بابنتها التي ( تفعلها ) في فراشها حتى الآن ، وربما تمادوا حتى مرحلة الإيذاء البدني البسيط ، رمي حجر أو قطعة حصى ، أو دس كسرات الزجاج الحادة في طريقها لكي تؤذيها ، كلمات جارحة وأفعال مؤذية ، لكنها لا تزال في مستوي ( الأفعال الطفولية ) ، مهما بلغت قسوتها ...

قضية " راشيل دوبكينز " The Murder of Rachel Dobkin.

  قضية قتل غريبة ومميزة اُرتكبت في خضم الحرب العالمية الثانية، والتي لم يتوقع أحد أن يتم الكشف عن مرتكبها نهائيا، بل ربما الجاني نفسه لم يتخيل أن القضية ستسجل كجريمة قتل عمد على الإطلاق . في البداية نقول أن الجاني كان ذكيا جدا، إذ أنتهز فرصة اشتداد الحرب العظمي الثانية، وازدياد عنف الغارات الألمانية على مدينة لندن، ليحاول اخفاء سر جريمته، التي أعتقد أنها يسوف تعتبر حالة وفاة ناجمة عن القصف الجوي، ولن تعلق به أية شبهة، تاريخيا تعرضت بريطانيا لسلسلة ممنهجة ومطردة من الغارات والهجمات الألمانية، التي ركزت جهودها على تدمير عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فبدأت القوات الجوية الألمانية من يوم 7 سبتمبر عام 1940 في قصف لندن في غارات منتظمة وكبيرة، مخلفة خسائر مهولة، وذلك تنفيذا لأوامر الفوهرر المتعلقة بذلك الأمر والتي صدرت قبلها بيوم واحد، وبلغ من عنف تلك الغارات وشدتها أنها تسببت فيما عرف بحريق لندن الثاني ( 29 ديسمبر 1940)، وقد بلغ من جسارة الألمان أنهم لم يتورعوا عن صب نيران طائراتهم على لندن حتى في وضح النهار، لكن وبداية من شهر نوفمبر 1940م أصبحت الغارات ليلية بشكل أساس...

الهفوة التي قضت على 22 مليون إنسان .. كيف أدي عناد رجل واحد إلي تحطيم العالم !!

  بعضُ الأخطاء التي وقعت كانت قدريةً بنسبة مائة في المائة, لم تكن ناجمة عن غباء أو خطأ في الإدراك لدى مقترفها, بل بشكل كامل هو تدبيرٌ من فعْل القضاء والقدر, وفي حالات معينة يكون هذا الخطأ سببًا ليس في دمارِ حياة إنسان ما وحسب, بل ربما- ولا سيَّما في حالتنا هذه- قد يكون سببًا في خراب العالم وتدمير حياة الملايين من الناس الأبرياء! أشهرُ هذه الأخطاء القدرية الصِّرفة هو الغلطة التي وقع فيها وليُّ عهد النمسا والمجر, الأميرُ المكروه الذي يتميز بالصَّلافة والغطرسة, وليّ العهد الذي وصلت إليه معضلةُ الوراثة دون انتظار, ولسبب جريمة غامضة وحادثة شهيرة حدثت لمن كان وريثًا شرعيًّا ومؤكدًا لعرش هذه الإمبراطورية, التي لم تعمِّر طويلًا, وحفل تاريخها بالمآسي والرزايا, واستكمالًا لتربُّص القدر بمملكة النمسا والمجر, وصلَ وليُّ العهد, الأرشيدوق "فرانز فرديناند" Archduke Franz Ferdinand 50 عامًا, وزوجته الأميرة "صوفي" Sophie , 46 عامًا, يوم 28 يونيو عام 1914م, إلى مدينة سراييفو, العاصمة الرسمية لإقليم البوسنة والهرسك, الذي كانت إمبراطورية النمسا تضع يدَها عليه, بمعنى أنَّ الزيارة كانت ...

معطف الحرب الأزرق ( قصة قصيرة )

    تسير وسطهم مرفوعة الرأس ، ترمق الطريق الملقي أمامها بنصف عين ، وعين ونصف عليهم .. كان مصيرها معروفا ونهايتها مكتوبة من قبل ، وقد تجرعتها ألوف النسوة قبلها .. خرجت من بيتها مرتدية آخر معطف عندها ، بلا قميص حقيقي تحته ، إنه صدر سترة أخيها وكمي زوجها الراحل ، المغدور الأول والمغدور الثاني ، القتيل الأول والقتيل الثاني ، من بين ألوف وملايين الأسماء .. ماذا كان اسميهما ؟! لعل أحدا لم يسأل هذا السؤال بينما كان يتم إلقائهما في حفرة ضحلة ، ورمي الجير فوق جثتيهما .. ولعلهما يرقدان في قبر واحد فقد ظلا دوما معا ! فقدت الأخ والزوج ، صديق الدم وصديق الرفقة والقلب ، صارت وحيدة وتهدمت المدينة فوق رأسها ، مثلما تهدم بيتها وسقط العالم مكوما فوق بعضه .. لماذا لا يموت الجميع في لحظة واحدة ؟! لماذا يبقي البعض ليدفن البعض ، ثم يلحق بهم بعد أوجاع وآلام ولحظات مريرة ، الجير الحي مخيف ، وطلقة في الرأس مخيفة ، لكن الوحدة وسط وحوش متربصة أكثر تخويفا وترهيبا ! هجر الجميع المدينة ، من بقي على قيد الحياة ، إن كان قد بقي أحد على قيد الحياة ، لا ينجو أحد من الحرب ، فيما عدا القتلى وحدهم ربما ، يعاين الأ...

القضية الغريبة ل " آلان روبيشو" ! The Mysterious Death of Allen Robicheaux

  بالرغم من أنَّ قصتنا هذه المرَّة لا تتضمن جريمةً بالمعنى المعروف, أي عدوان أو أذى من نوع ما يوقعه شخصٌ بشخص آخر؛ فإنها تضمَّنت لغزًا مروِّعًا احتاج لعشرين عامًا كاملة ليتم حلُّه, وتدميرًا لأسرة, وحياة بائسة لامرأة مسنَّة قضت نحبَها وهي لا تعرف أين زوجها, أو ماذا حصل له؟! إنَّ قضايا الاختفاء الغامض كثيرة, وتقريبًا تبدأ كلها بنفس الطريقة؛ يعود شخص ما إلى المنزل ليجد أحد أقاربه وقد اختفى, أو يخرج أحدهم في رحلة عملٍ أو نزهة ثمَّ ينقطع أثره, ولا يعرف أحدٌ أين ذهب. كان الشخص الذي اكتشفَ حالة الاختفاء هذه المرة هي الزوجة "لوسي ماي", سيدة في السبعينيات, تعيشُ في منزل بشارع فرانكلين/ جريتنا/ لوس أنجلوس, وكان من الواجب أن يكون زوجها "آلن روبيشو" Allen P. Robicheaux موجودًا بانتظارها يوم 15 ديسمبر 1973م عند عودتها من زيارة عائلية, لكنه لم يكن كذلك. انتظرت المرأة عودةَ زوجها لكنه لم يعدْ, لا في هذا اليوم, ولا فيما تلاه من أيام, فأينَ يمكن أن يكون الرجل ذو الثلاثة والسبعين عامًا قد اختفى؟! لم تكن هناك دلائلُ على حصول عنفٍ في المنزل, لا مذكرات تقول إنَّه ينوي مغادرة البيت لبضع...

الرجل الذي حول زوجته إلي نقانق !

  "لويزا بيكنيز"   Louisa Bicknese هي امرأةٌ أمريكية سيئةُ الحظ, في البداية بدَا وكأنها أكثرُ النساء حظًّا في العالم؛ إذْ تزوَّجت برجل مهاجر, ألماني الأصل, ورجلِ أعمال ثري, يملك أكبرَ مصنع للنقانق في شيكاغو. كان الزوج يدْعى "أدولف لوتجيرت" Adolph Louis Luetgert , وكان أرملَ معَ طفلين, تزوَّجته "لويزا" عام 1878م, وعاشا معًا حتى عام 1897م, حيث رزقَا بأربعة أطفال. كان للسيد "لوتجيرت" مصنعٌ شهير للنقانق, ولُقِّب بملك النقانق, لكن طباعه كانت سيئةً إلى حدٍّ ما, فقد كان عنيفًا تجاه زوجته, كما شوهِد ذاتَ مرَّة وهو يطاردها حاملًا مسدسًا. لكن على أي حال, ففي أوَّل أيام شهرِ مايو من ذلك العام خرجتِ الزوجة لزيارةِ أختها, وقال الأبُ ذلك لأطفاله حينما سألوا عنْ والدتهم في اليوم التّالي, غير أنَّ "لويزا" لم تعدْ من زيارة أختها مطلقًا. بدأتِ الشكوك والتساؤلات, ولاحقًا قامَ شقيق الزوجة المفقودة بالإبلاغ عن فقدانها. ثمَّ ظهرت أدلةٌ مقلقة حول تورُّط الزوج في مصاعبَ مالية, وعلاقته بأرملةٍ ثرية, مما دفع البعضَ إلى الاعتقاد بأنه تخلص من زوجته ليتزوَّج الأرم...